سعف النخيل… حرفة مغربية عريقة تصارع من أجل البقاء في واحات واد دْرَا
حسن كجوط ـ وارزازات
في عمق الواحات المغربية، منها واحات واد درا، حيث تمتد أشجار النخيل على مد البصر، ولدت حرفة تقليدية ضاربة في التاريخ، ارتبطت بحياة الإنسان الواحي وبثقافته ومعيشته اليومية، إنها حرفة صناعة منتجات سعف النخيل، التي كانت إلى وقت قريب جزءا لا يتجزأ من تفاصيل العيش في مناطق درعة وتودغا وسكورة وأوفوس وغريس وبودنيب وألنيف وتنجداد وغيرها من المناطق في الجنوب الشرقي، قبل أن تبدأ في التراجع تحت ضغط التحولات الحديثة والتغيرات المناخية.
إرث ثقافي متجذر في الواحات
لطالما اعتمد سكان الواحات على النخيل ليس فقط كمصدر للغذاء، بل كمادة أولية لصناعة أدواتهم المنزلية والفلاحية، فمن جريد النخيل كانوا ينسجون أقفاص الفواكه والخضر، والسلال، والحصائر، والمقاعد، وأدوات الزينة، وحتى بعض قطع الأثاث البسيطة، والملابس ك “تار أزال” ولم تكن هذه المنتجات مجرد أدوات للاستعمال اليومي، بل كانت تعبيرا عن هوية ثقافية متوارثة، تعكس البساطة والانسجام مع الطبيعة.
في الماضي، ظلت هذه الحرفة تمارس داخل الأسر في مناطق مثل درا و سكورة، حيث يتعلم الأبناء من الآباء، وتشارك النساء في إعداد الجريد وتقطيعه، بينما يتولى الرجال عملية النسج والتشكيل، في مشهد يجسد روح التعاون والتكافل الأسري.
مورد رزق متعدد الوظائف
لم تقتصر أهمية سعف النخيل على الصناعة التقليدية فقط، بل تعددت استعمالاته في الحياة اليومية لسكان الواحات. فهو يستخدم في صناعة السلال والصناديق والمراوح اليدوية والمكانس، و ألعاب الأطفال (حرواضي مثلا) كما يوفر فرص عمل للحرفيين ويشكل مصدر دخل مهم.
كما يستغل في مجالات أخرى، مثل صناعة الأعلاف الحيوانية منخفضة التكلفة، وتغطية الأسطح البسيطة كأقفاص الدجاج والمظلات، وصناعة النشارة الزراعية، إضافة إلى استخدامه في تهيئة الممرات الرطبة، وصناعة سياج الحدائق ”zzerb” ومصدات الرياح لحماية المزروعات.
فوائد صحية واستعمالات تقليدية
إلى جانب استعمالاته الحرفية، استخدمت أجزاء من النخيل في الطب الشعبي، حيث يعتقد أن مستخلص سعف النخيل يحتوي على مركبات طبيعية مثل البوليفينولات، التي قد تساهم في الوقاية من بعض الأمراض، كما يستعمل تقليديا في تسريع التئام الجروح، والمساعدة في تقليل نسبة السكر في الدم، إضافة إلى خصائصه المضادة للالتهابات.
ورغم هذه الاستخدامات، يؤكد المختصون ضرورة إجراء دراسات علمية أوسع لتأكيد هذه الفوائد، خاصة أن بعض أنواع سعف النخيل قد لا تكون صالحة للاستهلاك.
من ازدهار إلى تراجع مقلق
رغم هذا الغنى في الاستخدامات، تعرف حرفة سعف النخيل في المغرب تراجعا ملحوظا. فقد أدت المنافسة الشرسة للمنتجات البلاستيكية والصناعات العصرية إلى تقليص الطلب على المنتجات التقليدية، رغم جودتها وكونها صديقة للبيئة.
كما ساهمت التحولات الاقتصادية في تغيير أنماط الاستهلاك، حيث أصبحت المنتجات الحديثة أكثر انتشارا، فيما لم تعد الحرفة التقليدية تدر دخلا كافيا للحرفيين، ما دفع العديد منهم إلى هجرها.
الجفاف… تهديد مباشر للواحات والحرفة
يزيد الجفاف من تعقيد الوضع، خاصة في مناطق الجنوب الشرقي، حيث أدى تراجع الموارد المائية إلى تقلص أعداد النخيل، وبالتالي نقص المادة الخام الأساسية لهذه الحرفة. ومع تدهور الواحات، تتراجع الحرفة تدريجيا، ويصبح استمرارها أكثر صعوبة.
صمود رغم التحديات
ورغم كل هذه التحديات، لا تزال بعض الأسر في مناطق درعة وسكورة وغيرها متمسكة بهذه الحرفة، ليس فقط كمصدر رزق، بل كجزء من الهوية والتراث، هؤلاء الحرفيون يواصلون العمل في ظروف صعبة، محافظين على تقنيات تقليدية توارثوها جيلا بعد جيل.
بين خطر الاندثار وآفاق الإحياء
تقف حرفة سعف النخيل اليوم في المغرب خاصة بواد درا عند مفترق طرق: فإما أن تستمر في التراجع حتى الاندثار، أو أن تجد سبيلا جديدا للحياة من خلال دعمها وتثمينها. ويمكن أن يشكل إدماجها في الاقتصاد التضامني، وتشجيع السياحة الثقافية، وتسويق منتجاتها كبديل بيئي مستدام، فرصة حقيقية لإحيائها.
إن إعادة الاعتبار لهذه الحرفة لا تعني فقط الحفاظ على نشاط اقتصادي تقليدي، بل تمثل أيضا حماية لذاكرة الواحات، وصونا لهوية مغربية أصيلة، تعكس قدرة الإنسان على التكيف مع بيئته وتحويل مواردها البسيطة إلى عناصر حياة وإبداع.
