امحمد بن عبد السلام — وكالة درا للانباء.

تظل الصناعة التقليدية بجهة درعة تافيلالت واحدة من أكبر القطاعات التي تمتلك كل مقومات النجاح، لكنها في المقابل تواجه تحديات حقيقية ترتبط أساسا بضعف الحكامة، وغياب استراتيجية واضحة للنهوض بالحرفيين والتعاونيات، فضلا عن استمرار مخاوف الفاعلين من هيمنة الزبونية والمحسوبية على تدبير القطاع.
وتعتبر جهة درعة تافيلالت، وخاصة إقليم الرشيدية، من بين أغنى المناطق المغربية من حيث التنوع الحرفي والتراثي، إذ يضم القطاع أزيد من 140 تعاونية تنشط في مجالات متعددة، تشكل النساء ما يقارب 45 بالمائة من المنخرطين فيها، وهو ما يعكس الأهمية الاجتماعية والاقتصادية للصناعة التقليدية باعتبارها مصدر دخل أساسي للعديد من الأسر، خصوصا في المناطق القروية والواحية.
كما ان ما يميز الصناعة التقليدية بالجهة ليس فقط عدد التعاونيات، بل أيضا تنوع الحرف والمنتجات المحلية التي تحمل طابعا ثقافيا وتراثيا فريدا. فمن الحايك الفيلالي والنسيج التقليدي والزربية الأمازيغية، إلى الفخار الصحراوي والصناعات المرتبطة بالأحجار الرخامية، وصولا إلى المنتجات النباتية ومشتقات النخيل، كلها مؤهلات تجعل من الجهة خزانا حقيقيا للصناعة التقليدية المغربية.
وتتوفر جهة درعة تافيلالت على إمكانيات طبيعية مهمة، أبرزها مقالع الرخام والمنتجات النباتية والمجالية، إضافة إلى موقعها الجغرافي والسياحي الذي يمنحها فرصاً كبيرة لاستقطاب المستثمرين والسياح المهتمين بالمنتجات التقليدية الأصيلة.
كما يتوفر الإقليم على مركز لتسويق منتوجات الصناعة التقليدية قرب مرجان على الطريق الوطنية رقم 13، وهو فضاء تم إحداثه بهدف دعم الحرفيين والتعاونيات وتمكينهم من عرض وتسويق منتجاتهم في ظروف مناسبة.
وفي إطار تعزيز البنيات التحتية المرتبطة بالقطاع، جرى توسيع مجمع الصناعة التقليدية بمدينة الرشيدية بمواصفات حديثة، بهدف توفير فضاء احترافي للتعاونيات والحرفيين يمكنهم من عرض منتجاتهم بشكل لائق والمساهمة في خلق دينامية اقتصادية جديدة.
غير أن هذا المشروع، الذي كان من المفترض أن يشكل نقطة تحول في القطاع، أصبح يثير نقاشا واسعا وسط الفاعلين المهنيين، خاصة بعد تعالي أصوات عدد من رؤساء ورئيسات التعاونيات الذين طالبوا بضرورة إسناد تدبير هذا الفضاء إلى جهات تتمتع بالكفاءة والخبرة والحياد.
وأكد عدد من المتدخلين أن التخوف الأكبر يتمثل في إمكانية تحول المجمع إلى فضاء تتحكم فيه العلاقات الشخصية والزبونية والمحسوبية، بدل أن يكون منصة مفتوحة أمام جميع الحرفيين والتعاونيات وفق مبدأ تكافؤ الفرص، إضافة إلى التساؤل عن مآل ومصير فضاء العرض المستبدل.
وشدد المتحدثون على أن الصناعة التقليدية لا يمكن اختزالها في بعض الأنشطة المعروفة فقط، مثل النسيج التقليدي أو الحايك الفيلالي، بل تشمل عشرات الحرف الأخرى التي تحتاج بدورها إلى المواكبة والتثمين والترويج.
ومن بين أبرز المطالب التي يرفعها المهتمون بالقطاع، تنظيم معرض دولي للأحجار الرخامية بالنظر إلى الإمكانيات الكبيرة التي تتوفر عليها الجهة في هذا المجال، وما يمكن أن يحققه هذا الحدث من إشعاع اقتصادي وسياحي على المستوى الوطني والدولي.
كما يطالب الفاعلون بتنظيم معارض متخصصة للمنتجات التراثية المحلية مثل “الكناع”، و”تاحروت”، والقفطان التقليدي، بهدف الحفاظ على هذا الموروث الثقافي والتعريف به وطنيا ودوليا.
كما يبرز من ماحية أخرى ، مطلب إحداث مركز للتكوين المهني متخصص في حرف الصناعة التقليدية، من أجل تكوين جيل جديد من الحرفيين القادرين على تطوير هذه المهن وضمان استمراريتها، خاصة في ظل تراجع اهتمام الشباب ببعض الحرف التقليدية المهددة بالاندثار.
ويرى مهتمون أن الحفاظ على الصناعة التقليدية لا يمر فقط عبر التسويق، بل يتطلب أيضا نقل الخبرات والمهارات إلى الأجيال الجديدة، خصوصا في مجالات الزربية الأمازيغية، والفخار، والنسيج التقليدي، والصناعات المرتبطة بالنخيل.
و يتساءل عدد من الفاعلين المحليين ، في خضم هذه التحديات عن الدور الذي تقوم به الوكالة الوطنية لتنمية مناطق الواحات وشجر الأركان في دعم قطاع الصناعة التقليدية والسياحة الواحية بجهة درعة تافيلالت.
فرغم أن الوكالة تشتغل على عدد من المشاريع التنموية المرتبطة بالمجالات الواحية، إلا أن العديد من المهتمين يعتبرون أن قطاع الصناعة التقليدية ما يزال بحاجة إلى برامج أكثر وضوحا وفعالية، سواء من حيث التمويل أو التكوين أو التسويق والمواكبة.
كما عاب هؤلاء على غرفة الصناعة التقليدية الحالية أنها ومنذ ولايتها إلى حد الآن لم تقدم برنامجا حقيقيا يساهم في الرفع من مردودية القطاع ويدعم التعاونيات والحرفيين على حد سواء.
ويؤكد فاعلون أن الجهة تمتلك كل المقومات لتصبح قطبا وطنياً ودوليا للصناعة التقليدية والسياحة الثقافية، غير أن تحقيق هذا الهدف يظل رهينا بوجود رؤية تنموية حقيقية تعتمد على الحكامة الجيدة، والشفافية، وإشراك المهنيين الحقيقيين في اتخاذ القرار.
ويرى متابعون أن الصناعة التقليدية بدرعة تافيلالت ليست مجرد نشاط تراثي أو ثقافي، بل قطاع اقتصادي متكامل قادر على خلق الثروة وتحقيق التنمية المحلية إذا ما تم استثماره بالشكل الصحيح.
فالقطاع يمكنه أن يساهم بشكل كبير في تقليص البطالة، خاصة في صفوف النساء والشباب، إلى جانب تنشيط السياحة الثقافية والواحية، وفتح آفاق جديدة للتصدير والتسويق الرقمي للمنتجات المحلية.
غير أن الرهان الحقيقي، حسب عدد من الفاعلين، يبقى في الانتقال من مرحلة الخطابات والشعارات إلى مرحلة تنزيل مشاريع عملية وشفافة تضمن العدالة بين مختلف الحرفيين والتعاونيات، وتحول الصناعة التقليدية من قطاع يعيش على الهامش إلى رافعة حقيقية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية بجهة درعة تافيلالت.