حسن كجوط ـ الرباط
شعر الهجرة والبكاء بالشعر: محند ن عتي شاعر الغربة والغياب
قصيدة «أحلاكسا» بين التهنئة والحنين والعتاب
يحتل الشعر الغنائي في الثقافة الأمازيغية، وداخل فن أحيدوس على وجه الخصوص، مكانة أساسية في التعبير عن مشاعر الإنسان وتحولاته الاجتماعية والوجدانية، فهو لا يقتصر على الفرح والمناسبات، بل يمتد إلى الحب والحنين والفراق والغربة والهجرة… وسنركز في هذه الورقة على تيمة الهجرة التي برزت بقوة منذ بداية ستينيات القرن الماضي، مع اتساع هجرة شباب الجنوب الشرقي نحو أوروبا، وهي المرحلة التي ارتبطت في الذاكرة المحلية باسم موغى، كانت النساء أنذاك من أوائل من عبر عن هذه الظاهرة شعريا، خاصة من خلال نمط “تمناطين”، حيث تناولن غياب الأزواج والأبناء والإخوة، بين من يرى في الهجرة فرصة لتحسين ظروف العيش ومن ينتقد ما تتركه من فراق ووحدة وانتظار الى جانب شعراكء الذين ينسجون أشعارهم في نفس الموضوع ذاخل ساحة أمسيرار.
وبعد عقود، عاد موضوع الهجرة إلى الواجهة مع بداية سنوات الألفين، مع انتشار ظاهرة “الحريك”، أي الهجرة غير النظامية، حين غادر عدد كبير من شباب المنطقة مساقط رؤوسهم نحو أوروبا بحثا عن العمل ومستقبل أفضل، ومع هذه المرحلة ظهر شعر الهجرة من جديد، لكن هذه المرة بصوت المهاجر نفسه، حاملا تجربة الطريق والغربة والمعاناة اليومية، ومن أبرز من عبر عن هذه التجربة الشاعر والمغني عيسينو لحسن، ابن تشعوفيت نواحي ألنيف، الذي عاش الهجرة وجعل من معاناة المهاجرين في أوروبا موضوعا أساسيا في شعره وغنائه.
ويندرج الشاعر والفنان محند ن عتي ضمن هذا الامتداد الشعري، إذ تناول في قصائده موضوعات متعددة، وكانت الهجرة والغربة من أبرزها، وتأتي قصيدته التي ولدت من حسرة عدم تمكنه من حضور عرس شخص قريب منه نموذجا لما يمكن تسميته مجازا “شعر الهجرة والبكاء بالشعر”، حيث تحولت تجربة الغياب إلى كلمات مرتجلة ثم إلى غناء وأحيدوس من نوع “أحلاكسا”، وهكذا ظل شعر الهجرة شاهدا على تحولات المجتمع الأمازيغي، من حنين النساء في ستينيات القرن الماضي إلى معاناة المهاجرين أنفسهم في العقود اللاحقة.
– من هو صاحب القصيدة؟
محند ن عتي شاعر وفنان ارتبط اسمه بفن أحيدوس وبالشعر الغنائي كما يقرض الشعر في أنماط غنائية آخرى كتمناطين و تمديازين و تموايين، تكزينين و أحلاكسا، ارتبطت تجربته بمواضيع ذات طابع انساني، والحب، و الهوية والهجرة.. بعد سنوات فكر الشاعر أن يهاجر الى أوروبا بحثا عن لقمة العيش، وهو ما يجعل تجربة البعد عن الوطن حاضرة بقوة في إنتاجه الشعري, وفي حديث هاتفي معه حول مناسبة هذه الأبيات، أوضح أن القصيدة مرتبطة بعرس ابن أخته، الذي لم يكن بالنسبة إليه مجرد قريب، وإنما كان بمثابة أخ وصديق ورفيق طفولة.
ينتمي الاثنان إلى قرية عبدي ن إلمشان بتازارين، إقليم زاكورة، لكن من أصول تبوريت نواحي ألنيف، وقد نشآ معا في محيط اجتماعي واحد، خصوصا أن الشاعر لم يجد في جيله، بحسب روايته، أقرانا قريبين منه مثل ابن أخته هذا، وعندما أخبره هذا الآخير بأنه سيقيم عرسه، كان الشاعر يدرك أن وجوده في أوروبا سيحرمه من الحضور، وهنا بدأت المفارقة: العرس مناسبة للحضور والاجتماع، والهجرة تفرض الغياب والانفصال، الشاعر محند ن عتي كان يريد أن يكون إلى جانب قريبه في هذه اللحظة، أن يشاركه الفرح، وأن يقف بجانبه كما يفعل الأهل والأصدقاء، لكن المسافة الجغرافية تحولت إلى مسافة عاطفية قاسية و مؤلمة.
– القصيدة ولدت من لحظة عابرة
يذكر محند ن عتي أن ابن أخته اتصل به وأخبره بزواجه، وكان الشاعر يعلم أنه لن يستطيع حضور المناسبة، وفي تلك اللحظة ارتجل هذه الأبيات وهو يتحدث معه عبر الهاتف، وكان يغنيها له في البداية على سبيل المزاح والمداعبة “تقرفيت”، لكن القصيدة لم تتوقف عند حدود المزاح، في اليوم نفسه، التقى أحد أصدقائه في أوروبا، وكان هذا الصديق يتوفر على معدات للتسجيل واستوديو خاص، غنى له محند ن عتي المقاطع التي ارتجلها، فأعجب بها صديقه واقترح عليه تسجيلها، وبعد ذلك طلب منه أن يتم القصيدة ويطورها، غير أن الشاعر لم يكن يتوفر آنذاك على الوقت الكافي لإتمامها، ومع ذلك، احتفظت المقاطع ببنيتها الغنائية، وغنيت على شكل “أحلاكسا”، قصيدة لم تولد باعتبارها مشروعا شعريا مخططا، وإنما خرجت من لحظة شعورية مباشرة، ثم تحولت إلى نص غنائي.
– أحلاكسا واللازمة الشعرية/“تملاست”: حين يتحول التكرار إلى بكاء
تتألف القصيدة من سبعة أبيات، يحمل كل بيت منها رسالة ودلالة خاصة، تتدرج بين التهنئة والفرح والحنين والعتاب والغربة، و نلاحظ أن الشاعر تعمد تكرار البيت”Nkkin, axf ur iktab ad iligh tama nnk” أي “أما أنا، فقد كتب علي الا أكون إلى جوارك”، وهو تكرار يشكل لازمة تعد من أهم مفاتيح قراءة القصيدة، فهي تربط الابيات بعضها ببعض، وتوحد التجربة الشعورية للنص، كما تجسد إحساس الشاعر بالغياب والحرمان من مشاركة أهله وأصدقائه افراحهم، وتكتسب عبارة “كتب علي” قوة دلالية خاصة، لأنها تجعل الغياب يبدو وكأنه قدر مفروض على الشاعر، وليس اختيارا شخصيا منه.
من خلال هذه اللازمة تتجسد المفارقة المركزية في القصيدة: أنتم في العرس / وأنا في الغربة؛ انتم ترقصون/ وانا استعيد الذكريات؛ انتم تحتفلون بالحضور/ وانا اعيش ألم الغياب، لذلك لا تؤدي اللازمة وظيفة موسيقية فقط، بل تتحول إلى مركز دلالي ونفسي للقصيدة، تختصر تجربة الشاعر في الغربة والحنين والحسرة، وتمنح النص وحدته الايقاعية والشعورية.
القصيدة مع الترجمة التقريبية:
1 -Tchan, aksum aghn ahydus i tmaghra nnk
Nkkin, axf ur iktab ad iligh tama nnk
أكلوا اللحم وأرقصوا أحيدوس في عرسك،
أما أنا، فقد كتب علي ألا أكون إلى جوارك
Mniburk, ayislan tgam akkw l3nayt ـ2
Nkkin, axf ur iktab ad iligh tama nnk
مبروك عليكما أيها العروسان، لقد أصبحتما في كامل الزينة والبهاء،
أما أنا، فقد كتب علي ألا أكون إلى جوارك
3- Ad iwr ittswwarm aydda mi wr nHader
Nkkin, axf ur iktab ad iligh tama nnk
لا تلتقطوا صورا للأعراس التي لم أحضرها،
أما أنا، فقد كتب علي ألا أكون إلى جوارك
4-Dghi, mayd aghulgh ghrrbx usar nmyanny
Nkkin, axf ur iktab ad iligh tama nnk
الآن، بعدما أصبحت غريبا عن بلادي، أصبح اللقاء بيننا مستحيلا،
أما أنا، فقد كتب علي ألا أكون إلى جوارك
– Aha ya zzman, iktixd digh ismun innew5
Nkkin, axf ur iktab ad iligh tama nnk
آه يا زمان، لقد تذكرت جميع أصدقائي
أما أنا، فقد كتب علي ألا أكون إلى جوارك
6-Ayan, iTm3n awd ahydus udjix akt
Nkkin, axf ur iktab ad iligh tama nnk
لقد تركت لك أحيدوس لتسترزق منه، أيها الطمّاع،
أما أنا، فقد كتب علي ألا أكون إلى جوارك
7- han adghar inew iffgh iwa ws3 digs
Nkkin, axf ur iktab ad iligh tama nnk
ها هي مكانتي قد ظهرت، فتمتع بفضائها وحدك،
أما أنا، فقد كتب عليأ لا أكون إلى جوارك
- قراءة في البنية الدلالية للقصيدة
البيت الأول: الفرح في الوطن والحزن في الغربة
يبدأ الشاعر من قلب المناسبة، في قوله: “أكلوا اللحم ويرقصون أحيدوس في عرسك”، يقدم الشاعر خطاب تهنئة مباشرا، يستحضر من خلاله أجواء العرس ومظاهر الفرح الجماعي، فالعرس في الثقافة المحلية ليس مجرد مناسبة فردية، بل فضاء يجتمع فيه الأهل والأصدقاء، ويقدم فيه الطعام، وتقام حلقات أحيدوس، لذلك يستحضر الشاعر عناصر أساسية للفرح: الأكل، والرقص، وأحيدوس، والجماعة، غير أن هذا المشهد ينقلب إلى الحسرة حين يقول: “أما أنا، فقد كتب علي ألا أكون إلى جانبك”، فينتقل من الجماعة إلى الفرد، ومن الحضور إلى الغياب، ومن الفرح إلى الحزن، فالشاعر لا يعيش العرس من داخله، وإنما يتخيله من مكان بعيد، لتتحول مناسبة الفرح إلى تعبير عن ألم الغربة والاشتياق إلى الوطن والأهل والأحباب.
البيت الثاني: التهنئة من خلف الحدود
يعبر الشاعر في هذا المقطع عن تهنئته الصريحة للعروسين، مؤكدا أن حضورهما أضفى على العرس الزينة والبهاء. غير أن الشاعر، بسبب الغربة، لا يستطيع تقديم تهنئته وجها لوجه، فيلجأ إلى الشعر والغناء ليعبر عن مشاعره، وهنا يتحول الشعر إلى وسيلة لتعويض الحضور الجسدي، فحين يعجز الشاعر عن الوصول إلى العرس، يصل إليه بصوته وكلماته، لذلك تصبح القصيدة تعبيرا وجدانيا عن تجربة المهاجر، الذي قد يغيب عن المكان، لكنه يظل حاضرا في الذاكرة والوجدان.
البيت الثالث: صورة العرس التي تتحول إلى ألم
يقول الشاعر: في البيث الثالث “لا تلتقطوا صورا للأعراس التي لم أحضرها”، فيكشف هذا البيت عن أثر وسائل الاتصال الحديثة في تجربة المهاجر، فالصورة تقرب الغائب من العرس، لكنها في الوقت نفسه تذكره بأنه يشاهد الفرح من بعيد دون أن يكون جزءا منه، لذلك تصبح الصورة ذات أثر مزدوج: تقربه من المناسبة وتعمق إحساسه بالغياب، ومن هنا يمكن فهم طلب الشاعر عدم إرسال الصور بوصفه محاولة لحماية نفسه من مزيد من الألم، فهو لا يرفض فرح الآخرين، وإنما يخشى أن يرى هذا الفرح وهو محروم من مشاركته.
البيت الرابع: الغربة كقدر
ينتقل الشاعر في هذا المقطع من الحديث عن العرس إلى التعبير عن تجربته الشخصية مع الهجرة والغربة، قائلاً: “الآن بعدما أصبحت غريبا، أصبح اللقاء بيننا مستحيلا”، فالعرس هنا ليس سوى مناسبة تكشف عمق معاناة المهاجر، الذي لم تعد الغربة بالنسبة إليه مجرد بعد جغرافي، بل حرمانا من مشاركة الأحبة لحظاتهم المهمة، وهكذا تتجسد المفارقة المؤلمة: الوطن موجود، والأهل موجودون، لكن الشاعر بعيد عنهم، مما يجعل الغربة حالة من الحضور في الذاكرة والغياب عن الواقع، هنا يعبر الشاعر عن فقدانه الأمل في اللقاء، مؤكدا استحالة حضوره ومشاركته أفراح الأحبة، بسبب الغربة التي جعلت المسافة بينهم حاجزا يحول دون اجتماعهم.
البيت الخامس: الذاكرة في مواجهة الغربة
الشاعر:في البيت الخامس:” آه يا زمان، لقد تذكرت جميع أصدقائي”، يخاطب الزمن وكأنه كائن يحمل مسؤولية البعد والفراق، فالعرس الحالي يوقظ في ذاكرته صور الماضي، من القرية والطفولة والأصدقاء إلى حلقات أحيدوس والمناسبات التي كانت تجمعهم، وهكذا لا يعود العرس مجرد مناسبة عائلية، بل يتحول إلى مناسبة لاسترجاع زمن كامل عاشه الشاعر مع أهله وأصدقائه، وتتحرك القصيدة بين ثلاثة أزمنة: الماضي بما يحمله من ذكريات، والحاضر الذي يعيش فيه الشاعر الغياب، والمستقبل الذي يظل فيه احتمال استمرار الغربة والعيش في المنفى.
البيت السادس: من الحنين إلى المبارزة الشعرية
في هذا المقطع، ينتقل الشاعر من موضوع الغربة والحنين إلى مخاطبة شخص آخر، قائلا: “لقد تركت لك أحيدوس لتسترزق منه، أيها الطماع”، ويفتح هذا الانتقال مجالا للمبارزة الشعرية والعتاب الفني، إذ يبدو أن الشاعر يسخر ممن يستفيد من غيابه ويستعمل أشعاره أو حضوره الرمزي في حلقات أحيدوس، ومع ذلك، يظل هذا التأويل مرتبطا بسياق القصيدة وبهوية المخاطَب، ولا يمكن اعتباره المعنى الوحيد الممكن، وإذا كان الشاعر يؤكد أن المقطع يشير إلى أشخاص يستعملون أشعاره، فإن دلالته تصبح أوضح: فالغربة أبعدت الشاعر عن المكان، لكنها لم تسلبه حضوره الشعري وتأثيره في أحيدوس.
البيت السابع: المكان الفارغ والحضور الشعري
يقول الشاعر: “ها هي مكانتي قد ظهرت، فتمتع بفضائها وحدك”، وفي سياق المبارزة الشعرية تحمل العبارة نبرة من السخرية والعتاب، فهو يؤكد، بشكل غير مباشر، أن غيابه الجسدي لا يعني غياب مكانته الشعرية، فرغم وجوده في أوروبا وعجزه عن حضور العرس، يظل حاضرا من خلال شعره الذي يتردد في حلقات أحيدوس، وهنا تبرز مفارقة أساسية في القصيدة: فمن يشغل مكان الشاعر جسديا لا يستطيع أن يلغي حضوره الرمزي، وبذلك يتحول الغياب الجسدي إلى حضور شعري يثبت مكانته وتأثيره.
– بين التهنئة والحسرة
من أجمل ما يميز هذه القصيدة أنها لا تقدم الغربة بوصفها حزنا خالصا، فالشاعر يفرح لفرح ابن أخته ويهنئه ويدعوه إلى الاستمتاع بعرسه، لكنه في الوقت نفسه يعيش ألم الغياب “تغوفي”، ومن هنا تتشكل مجموعة من الثنائيات المتقابلة: فرح الآخر في مقابل حزن الذات، وحضور الجماعة في مقابل غياب الفرد، والوطن في مقابل الغربة، والعرس في مقابل الوحدة، وتمنح هذه الثنائيات القصيدة قوتها العاطفية، لأنها تكشف التناقض الداخلي الذي يعيشه المهاجر بين مشاركته الوجدانية في أفراح أهله وعجزه الجسدي عن الحضور بين الأهل و الأحباب.
– قصيدة أسيء فهمها
يشير محند ن عتي إلى أن بعض المستمعين فهموا القصيدة على أنها تتحدث عن فتاة كان الشاعر يرغب في الزواج بها، لكنها تزوجت شخصا آخر، وهو تأويل يمكن فهمه بالنظر إلى اللغة العاطفية للنص وتكرار عبارة “أما أنا فقد كتب علي ألا أكون إلى جانبك”، غير أن رواية الشاعر نفسه توضح المناسبة الحقيقية للقصيدة، وهي زواج ابن أخته وألم غيابه عن عرسه بسبب الغربة، وتبرز هنا أهمية الرواية الشفوية في دراسة الشعر الشعبي، لأنها تساعد على تحديد السياق الذي نشأ فيه النص، دون أن تلغي تعدد التأويلات الممكنة، فالشعر قد ينطلق من مناسبة خاصة، لكنه يستطيع أن يتجاوزها ليعبر عن تجارب إنسانية أوسع، مثل الحب والفراق والحنين والغربة.
– أحيدوس بوصفه ذاكرة جماعية
لا يمكن فصل هذه القصيدة عن أحيدوس، لأنه لا يظهر فيها مجرد موسيقى أو رقص، بل بوصفه فضاء للذاكرة الجماعية، فعندما يستحضر الشاعر أحيدوس، فإنه يستحضر معه عالما كاملا من العرس والقرية والأهل والأصدقاء والشباب والشعر والغناء والفرح الجماعي، لذلك فإن غيابه عن حلقة أحيدوس في عرس ابن أخته يتجاوز الغياب عن مناسبة عابرة، ليصبح غيابا عن جزء من حياته الاجتماعية والثقافية، ومن هنا يتحول أحيدوس إلى وسيلة للتعبير عن الغربة، فالشاعر الذي تعجز المسافة عن إعادته إلى الحلقة، يستعيدها بالصوت والكلمة، ويحافظ من خلالها على صلته بالوطن والذاكرة والجماعة.
–من البكاء إلى الشعر
تكمن القيمة الفنية الكبرى في هذه التجربة في أن محند ن عتي لم يعبر عن حزنه بالبكاء المباشر، وإنما حول ألمه إلى شعر وغناء، وهو ما يمكن تسميته بـ”البكاء بالشعر”، فبدل أن يقول: «أنا حزين لأنني لم أحضر»، يجعل الحزن يتشكل داخل خطاب شعري يقول فيه للآخرين: ارقصوا، احتفلوا، وتهنؤوا، أما أنا فقد كتب علي ألا أكون إلى جانبكم، وهكذا يتحول الألم الفردي إلى تعبير شعري جماعي، قابل للغناء والتداول، ويصبح الشعر وسيلة لمواجهة الغربة وحفظ الصلة بالوطن والأهل والذاكرة.
–من القصيدة الفردية إلى الوجدان الجماعي
لم تبق قصيدة محند ن عتي حبيسة المناسبة التي ولدت فيها، بل انتشرت على نطاق واسع، خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أعاد تداولها المستمعون والمهاجرون في بلدان مختلفة، ويكشف هذا الانتشار أن كلمات الشاعر تجاوزت تجربته الشخصية لتلامس تجربة جماعية يعيشها كثير من أبناء المنطقة الموجودين في الغربة، فالحسرة التي عبر عنها بسبب عدم تمكنه من حضور عرس ابن أخته وجد فيها مهاجرون آخرون انعكاسا لمعاناتهم هم أيضا، حين تحول المسافة والظروف دون مشاركتهم أفراح أسرهم ومناسباتهم العائلية.
تأثير هذه الأغنية بلغ درجة أن بعض المهاجرين يتأثرون بها حد البكاء، لأنها تستحضر لديهم صور الأهل والقرية والأعراس وحلقات أحيدوس التي حرموا من حضورها، وهنا تظهر قوة الشعر الغنائي في تحويل تجربة فردية إلى إحساس مشترك؛ فالكلمات لا تعود ملكا لصاحبها وحده، بل تصبح مرآة لذاكرة جماعية ووجدان مهاجرين كثيرين وجدوا في القصيدة صوتا يعبر عن حنينهم وعن آلم الغياب الذي يصعب أحيانا التعبير عنه بالكلام العادي.
ومن هذا المنظور، يمكن فهم الانتشار الواسع لهذه الأغنية بوصفه دليلا على قدرة الشعر الأمازيغي على التفاعل مع التحولات الاجتماعية الجديدة، وعلى الدور الذي أصبحت تؤديه وسائل التواصل الاجتماعي في توسيع دائرة تداول الشعر الشعبي، فبعد أن كان أحيدوس مرتبطا بالمكان والحلقة والجمهور الحاضر، أصبح بإمكان القصيدة أن تعبر الحدود وتصل إلى المهاجر في أوروبا، فتجعل الغائب يعيش لحظة العرس عن بعد، وتعيد إليه، ولو عبر الصوت والكلمة، جزءا من الوطن الذي يسكن ذاكرته.
خاتمة
تكشف قصيدة محند ن عتي أن أحيدوس قادر على احتضان موضوعات تتجاوز الفرح والاحتفال، ليصبح فضاء للتعبير عن الهجرة والحنين والغياب والعتاب والذاكرة، فالقصيدة تبدو في ظاهرها تهنئة لعريس، لكنها في عمقها حكاية شاعر يعيش خارج وطنه، وتحول الغربة بينه وبين لحظات لا تتكرر، كعرس قريب أو لقاء الأصدقاء أو حلقة أحيدوس، ومن هنا تصبح اللازمة: «Nkkin, axf ur iktab ad iligh tama nnk» أكثر من مجرد تكرار غنائي؛ إنها تختصر مأساة الغياب: الفرح قائم، والأحبة مجتمعون، وأحيدوس يرقص، لكن الشاعر غائب، ومع ذلك، يستعيد حضوره عبر الشعر، فيهنئ أهله وأصدقاءه بصوته، ويحول حسرة شخصية إلى قصيدة تختزل تجربة جيل من المهاجرين الذين يعيشون بين وطن يسكنونه بالذاكرة، ومكان يعيشون فيه بالجسد.