معركة بوكافر: ذاكرة المقاومة الأمازيغية بين بطولات الصمود ومطالب الإنصاف التاريخي
تعد معركة بوكافر واحدة من أبرز المحطات في تاريخ المقاومة المغربية ضد الاستعمار الفرنسي، لما جسدته من صمود استثنائي لقبائل آيت عطا في مواجهة قوة عسكرية تفوقها في العدد والعتاد، وقد شكلت هذه المعركة، التي دارت رحاها في جبال صاغرو خلال شهري فبراير ومارس سنة 1933، نموذجا فريدا في مقاومة الشعوب للاستعمار، ومثالا حيا على التشبث بالحرية والدفاع عن الكرامة.
قاد هذه الملحمة التاريخية الزعيم الأمازيغي عسو أوبسلام، الذي راكم تجربة ميدانية في الحروب، حيث تشير شهادات شفوية إلى تعرضه لكسر في رجله في إحدى المواجهات السابقة ضد القوات الفرنسية بنواحي تنغير، استطاع توحيد قبائل آيت عطا وتنظيم صفوفها في مواجهة جيش استعماري مدجج بالطيران والمدفعية الثقيلة وعدد كبير من الجنود، ورغم محدودية الإمكانيات، صمدت المقاومة لمدة طويلة، إذ تشير الروايات المحلية، مدعومة بنصوص شعرية، إلى أن المعركة دامت أزيد من شهرين ونصف، أي حوالي 75 يوما من القتال المتواصل، وهو ما تؤكده الذاكرة الشفوية والنصوص الشعرية المتداولة في المنطقة، حيث تقول احدى المقاومات:
“شهرن ونص أين إكيخ كر ليخرا د دونيت
خس إغزيفي لعمر إليك دناغول”
أي: “قضيت شهرين ونصفا بين الحياة والموت، ولم أعد إلا لأن أجلي لم يكن قد حان.”
و يعكس هذا المقطع الشعري عمق المعاناة التي عاشها المقاومون، كما يجسد شدة الظروف التي ميزت هذه المواجهة غير المتكافئة، حيث كان البقاء على قيد الحياة أقرب إلى معجزة يومية في ظل الحصار والقصف ونفاد الموارد،
في حين قلصت بعض المصادر الاستعمارية، مثل رواية جورج سبيلمان، مدتها إلى نحو 44 يوما، في محاولة للتقليل من حجم هذا الصمود قائلا في كتابه المعنون ب:” أيت عطا الصحراء وتهدئة درعة العليا ” : “.. بعد مواجهات دامت 40 يوما، تم إجبار آيت عطا على الاستسلام عبر قصف جوي كثيف ضد المقاومين و المدنيين المتحصنين بجبل صاغرو، و الضغط عبر الحصار و قطع الامدادات المعيشية عن السكان..”،ا
تميزت معركة بوكافر بطابعها غير المتكافئ، حيث واجه آلاف المقاومين العطاويين قوات استعمارية مدعومة بآلاف الجنود، إضافة إلى توظيف ما عرف بالبرطيزة، وهم مقاتلون مغاربة جندوا قسرا أو بدافع المصالح للقتال إلى جانب القوات الفرنسية ضد أبناء جلدتهم، إلى جانب عناصر إفريقية أخرى. وقد عكست هذه الظاهرة تعقيدات المرحلة الاستعمارية، حيث تم استغلال الانقسامات القبائل لخدمة أهداف السيطرة والإخضاع.
ورغم هذا الاختلال الكبير في موازين القوى، أبانت قبائل آيت عطا عن شجاعة نادرة، حيث تحصنت في أعالي جبل بوكافر وجبال صاغرو، مستفيدة من الطبيعة الجغرافية الوعرة، وخاضت معارك شرسة ألحقت خسائر مهمة في صفوف الجيش الفرنسي، كما عرفت المعركة مشاركة واسعة لمختلف فئات المجتمع، بما في ذلك النساء والشيوخ، إضافة إلى نزوح جماعي لقبائل آيت عطا من مختلف القرى ة المداشر نحو معاقل صاغرو في محاولة للصمود، وجدوا أنفسهم في قلب المواجهة، مما يعكس الطابع الجماعي والشعبي للمقاومة.
غير أن الرد الاستعماري اتسم بعنف مفرط، حيث لجأت القوات الفرنسية إلى فرض حصار خانق، وقصف مصادر المياه، واستهداف الماشية، واستعمال أساليب تندرج ضمن ما يصنف اليوم كجرائم حرب، من خلال استهداف المدنيين وتدمير سبل العيش، وقد أدى ذلك إلى سقوط عدد كبير من الضحايا، من بينهم عائلات أبيدت بالكامل.
في ظل هذا الوضع الإنساني المتدهور، ومع اشتداد الحصار ونفاد المؤن وتفاقم معاناة المدنيين، أدركت القيادة العسكرية الفرنسية محدودية الحسم العسكري، فبعد تكبد خسائر في صفوف الضباط والجنود، اضطر الجنرال هوري إلى مراجعة استراتيجيته، معترفا بعدم جدوى استمرار القتال، ليتم اللجوء إلى خيار الحصار كبديل عسكري.
في المقابل، لم تكن قبائل آيت عطا مستعدة للتنازل بسهولة، رغم قساوة الظروف، حيث حاولت فرنسا في أكثر من مناسبة فتح باب التفاوض واقتراح وقف الحرب، غير أن هذه المبادرات قوبلت بالرفض من طرف المقاتلين العطاويين الذين تمسكوا بخيار المقاومة. ومع تعقد الوضع واستمرار النزيف البشري، تدخل عقلاء القبائل بقيادة عسو أوبسلام لفتح نقاش داخلي حول مآلات المواجهة وإمكانيات إنهائها.
وأمام تفاقم الأوضاع الإنسانية، اضطر القائد عسو أوبسلام إلى القبول بالهدنة بعد استشارة أيت عطا طبعا، ليس استسلاما، بل حقنا للدماء وحفاظا على ما تبقى من الأرواح، خاصة النساء والأطفال. وقد قبلت قبائل آيت عطا وقف الحرب وفق شروط تفاوضية صاغتها بما يخدم مصالحها، وهو ما يعكس قوة موقفها التفاوضي رغم صعوبة المرحلة.
ومن أبرز هذه الشروط إبعاد نفوذ الكلاوي عن أراضي آيت عطا، والإبقاء على الأسلحة في أيدي السكان، ورفض إخضاعهم لأعمال السخرة، إضافة إلى صون كرامة النساء بعدم استدعائهن للمشاركة في الاحتفالات الرسمية.
ومن المفارقات اللافتة في هذه اللحظة التاريخية أن النساء، اللواتي جرت المفاوضات باسمهن، كن من أوائل الرافضين لفكرة الاستسلام، حيث عبرن عن موقف حاد تجاه من قبلوا بالهدنة، معتبرات ذلك مساسا بالكرامة الجماعية، وقد شكل هذا الموقف دليلا على أن روح المقاومة كانت متجذرة في مختلف مكونات المجتمع، رجالا ونساء.
ورغم النهاية العسكرية للمعركة، فإن دلالاتها الرمزية والتاريخية ظلت حاضرة بقوة في الذاكرة الجماعية، حيث تحولت إلى رمز للصمود والتضحية في سبيل الحرية، غير أن هذا البعد الرمزي، في نظر العديد من الفاعلين المحليين، لم يحظ بما يستحقه من تثمين ثقافي وتربوي، خاصة فيما يتعلق بإدراج هذه المحطة التاريخية في المقررات الدراسية وتخليد سيرة القائد عسو أوبسلام في الفضاءات العمومية.
وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن ساكنة المنطقة، ومنذ أكثر من أربعة عقود، تواصل المطالبة بإنصاف هذه الصفحة من التاريخ الوطني، من خلال الاعتراف الرسمي بما تعرضت له قبائل آيت عطا من انتهاكات خلال هذه المعركة وفي معارك أخرى، والعمل على إدراجها ضمن المناهج التعليمية، إلى جانب المطالبة بتعويضات عن الخسائر البشرية والمادية التي لحقت القبائل.
هكذا، تبرز معركة بوكافر اليوم كقضية ذاكرة وعدالة في آن واحد، حيث لا تقتصر المطالب على التنمية والتعويض، بل تمتد إلى ضرورة الاعتراف التاريخي وجبر الضرر المعنوي، بما يضمن صون هذه الذاكرة ونقلها إلى الأجيال القادمة.
وتبقى معركة بوكافر صفحة مشرقة في تاريخ المغرب، لا باعتبارها مجرد مواجهة عسكرية، بل باعتبارها تعبيرا صادقا عن إرادة شعب في الدفاع عن أرضه وكرامته، ورصيدا رمزيا يستدعي مزيدا من البحث والتوثيق، ومقاربة متوازنة تجمع بين العدالة التاريخية والتنمية المستدامة.