حسن كجوط – مصيصي

في أعالي سلسلة جبال صاغرو، وتحديدًا بقرية طارت تيزي نواحي إغرم أمزدار، تنبعث من الذاكرة حكاية ليست ككل الحكايات؛ حكاية مقاومة كتبتها امرأة بدموعها وصمودها، وعاشت لترويها بعد عقود من الزمن الى الأجيال، هناك، وسط الجبال التي شهدت واحدة من أشرس المعارك ضد الاستعمار، تم توثيق شهادة حية للسيدة بزا عدي، ربمى آخر النساء اللواتي شاركن في معركة بوݣافر سنة 1933.
تنتمي “بزا عدي” إلى قبيلة أيت إعزا، وقد عاشت تفاصيل المعركة بكل قسوتها، لم تكن مجرد شاهدة على الأحداث، بل فاعلة في قلبها، تقاسمت الخطر مع الرجال، وواجهت آلة عسكرية استعمارية كانت تعد من الأقوى في أوروبا آنذاك. ورغم اختلال موازين القوة، أظهرت مقاومة أيت عطا، نساء ورجالا، شجاعة استثنائية ستظل راسخة في الذاكرة الجماعية.
تحكي بزا عدي، وقد تجاوز عمرها 100 عام، تفاصيل دقيقة عن مجريات المعركة، وكأن الزمن لم يمس ذاكرتها, تتحدث عن المقاومين والمقاومات، عن لحظات الخوف والصمود، عن الخسارات الفادحة التي ألمّت بها شخصيا، إذ فقدت جميع أفراد أسرتها في قلب المعركة، لكنها نجت بأعجوبة لتصبح ذاكرة حية تنقل ما لا تكتبه الكتب, وما لم تخطه أنامل الضابط جورج سبيلمان الذي الف كتاب عن أيت عطا و معركة بكوفر في كتابه المعنون ب : “أيت عطا الصحراء وتهدئة درعة العليا” ولا تقارير المخبربن، ومقررات مختلف المستويات المدرسية العمونية.
لم تقتصر شهادتها على سرد الوقائع، بل امتدت لتشمل الشعر الذي قيل في تلك المرحلة، والذي كان يلهب حماس المقاومين ويخلد بطولاتهم ويوثق كل كبيرة و صغيرة عن الأخداث،. كما استحضرت أسماء نساء ورجال صنعوا التاريخ، من بينهم رفيقتها ‘عدجو موح’، التي تقاسمت معها دروب المقاومة، في صورة تبرز بأس المرأة الأمازيغية وقوة إرادتها، وصلابتها،
رحلت بزا عدي عن عمر ناهز 116 عاما، بعد أن أدت رسالتها في حفظ الذاكرة ونقلها للأجيال، لم تكن مجرد ناجية، بل كانت بطلة حقيقية، واجهت الموت، وفقدت الأحبة، لكنها ظلت صامدة، شاهدة على مرحلة مفصلية من تاريخ المقاومة المغربية.
إن شهادة بزا عدي ليست فقط رواية شخصية، بل وثيقة إنسانية وتاريخية تذكرنا بأن الذاكرة الحية قد تكون أصدق من أي أرشيف، وأن بطولات النساء، كما الرجال، تستحق أن تروى وتخلد.
فلترقد بزا عدي في سلام ومجد، ولتبق قصتها نبراسًا للأجيال القادمة، ودليلا على أن الشجاعة لا تقاس بالقوة، بل بالإيمان بالقضية والاستعداد للتضحية في سبيلها.