امحمد بن ع السلام +–+ وكالة درا للانباء .
إ
بعد عشر سنوات من الإصلاحات المتتالية، والبرامج والاستراتيجيات والوعود، يطرح واقع المدرسة المغربية أسئلة ثقيلة حول مدى نجاعة السياسات التعليمية التي اعتمدت خلال العقد الأخير. فبالرغم من تخصيص موارد مالية مهمة للقطاع والاستعانة بالخبراء وإطلاق مشاورات واسعة، لا تزال مؤشرات التعلم والجودة والإنصاف تكشف عن اختلالات عميقة.
وتشير المعطيات الواردة في تقييم عشرية إصلاح التعليم 2015-2025 إلى أن 19 معيارا من أصل 32 معيارا للجودة التربوية لم تتحقق، فيما تحققت 11 بشكل جزئي، ولم تستوف المعايير بالكامل سوى حالتين. وهي مؤشرات تعكس، وفق هذا التقييم، صعوبة الانتقال من تعدد الإصلاحات إلى إحداث تغيير ملموس داخل المؤسسات التعليمية.
كما تراجعت نتائج المغرب في عدد من التقييمات الدولية، بينما لا تزال أعداد كبيرة من الشباب خارج منظومتي التعليم والتكوين وسوق الشغل، وهو ما يجعل أزمة التعليم تتجاوز الجانب التربوي لتصبح قضية اجتماعية وتنموية ذات أبعاد واسعة.
ويحدد التقييم سبع إشكالات رئيسية يرى أنها ساهمت في تعثر الإصلاح خلال السنوات الماضية.
أولى هذه الإشكالات ترتبط بالمناهج الدراسية، التي لم تعرف مراجعة شاملة منذ سنة 2002، في وقت تغيرت فيه متطلبات المدرسة وسوق الشغل بفعل التحولات التكنولوجية والاقتصادية المتسارعة.
ورغم إحداث اللجنة الدائمة للمناهج بموجب القانون الإطار 17-51، فإن تنصيبها الفعلي تأخر إلى سنة 2024، كما لم تتمكن من إنجاز إطار مرجعي متكامل للمناهج، وهو ما أبقى البرامج الدراسية، بحسب التقييم، مثقلة بالمحتويات وغير منسجمة بشكل كاف مع مستويات المتعلمين وحاجياتهم.
وتظهر هذه الاختلالات أيضا في نتائج التلاميذ، إذ سجل المغرب مستويات متأخرة في عدد من الاختبارات الدولية، خصوصا في القراءة والرياضيات والعلوم، مع تسجيل تراجع لافت في نتائج العلوم خلال السنوات الأخيرة.
أما الإشكال الثاني فيتعلق بوضعية المدرسين والتكوين المهني، حيث تشير المعطيات إلى وجود خصاص في المواكبة والتكوين المستمر، خصوصا في مجالات الرقمنة والذكاء الاصطناعي وأساليب التدريس الحديثة.
ورغم أن نسبة مهمة من المدرسين تعبر عن رضاها عن المهنة، فإن النظام التربوي، وفق التقييم، لا يستثمر بالشكل الكافي هذا الرصيد البشري، سواء من خلال إشراك المدرسين في إعداد المضامين أو منحهم هامشا أكبر لتكييف الممارسات التعليمية مع حاجيات المتعلمين.
ويبرز التقييم أيضا إشكالية مرتبطة بطريقة اشتغال المؤسسات التعليمية، خصوصا مع تنامي الاعتماد على نماذج بيداغوجية موحدة وسيناريوهات جاهزة، بما قد يحد من استقلالية المدرس وقدرته على الابتكار داخل الفصل.
وتتعلق العقدة الثالثة بالحكامة، حيث يرى التقييم أن تعدد المرجعيات والاستراتيجيات، إلى جانب التأخر في تفعيل عدد من مقتضيات القانون الإطار، أضعف القدرة على ضمان انسجام الإصلاحات وتتبع تنفيذها.
كما أن عددا من الهيئات والآليات التي كان يفترض أن تضطلع بأدوار أساسية في قيادة الإصلاح أو تقييمه لم تصل إلى مستوى الفعالية المطلوبة، بالتوازي مع استمرار المركزية وضعف هامش المبادرة على المستوى المحلي.
وفي محور رابع، يسلط التقييم الضوء على غياب منظومة وطنية متكاملة لضمان جودة التعليم، مع محدودية آليات التقييم والمراقبة، وضعف توظيف نتائج التقييمات في تعديل السياسات العمومية واتخاذ القرارات التصحيحية.
ويشير التقرير إلى أن الانتقال من منطق المراقبة الإدارية إلى ثقافة حقيقية تقوم على قياس جودة التعلمات وتتبع الأداء وتحسين النتائج لا يزال دون المستوى المطلوب.
أما الفوارق الاجتماعية والمجالية، فتشكل بدورها واحدة من أبرز تحديات المدرسة المغربية، إذ لا تزال فرص الاستفادة من تعليم جيد متفاوتة بين الفئات والمناطق، في وقت ارتفعت فيه أعداد المنقطعين عن الدراسة وتزايد عدد الشباب غير الموجودين في التعليم أو التكوين أو سوق الشغل.
ويبرز التعليم الأولي بدوره كأحد الملفات التي تواجه تحديات في وتيرة التعميم، إلى جانب ضعف خدمات التوجيه والدعم النفسي، وارتفاع نسب الانقطاع خلال بعض المراحل الدراسية.
وفي المقابل، لم تؤد الاستثمارات الكبيرة في الرقمنة، وفق التقييم، إلى تحول مماثل في الممارسات البيداغوجية. فربط المؤسسات بالإنترنت وتوفير المعدات لا يكفي، ما لم يواكبه تكوين للمدرسين وتطوير لمضامين رقمية فعالة وإدماج التكنولوجيا في صميم عملية التعلم.
وتظل الفجوة الرقمية قائمة، خصوصا بين المؤسسات الموجودة في المجالات الحضرية وتلك الواقعة في المناطق القروية، وهو ما يطرح تحديا إضافيا أمام تحقيق تكافؤ الفرص.
أما الملف اللغوي، فيبقى من أكثر القضايا تعقيدا داخل المنظومة التعليمية، بسبب الانتقال بين لغات التدريس وما يرافقه من صعوبات في استيعاب المواد العلمية والتقنية.
ويعتبر التقييم أن الانتقال من التدريس بالعربية في المرحلة الابتدائية إلى اعتماد الفرنسية في عدد من المواد العلمية والتقنية خلال المرحلة الإعدادية يخلق قطيعة لغوية قد تؤثر على مسار التعلم، خصوصا لدى التلاميذ الذين لا يتوفرون على أساس لغوي قوي.
وتشير النتائج الدولية إلى استمرار ضعف أداء التلاميذ المغاربة في العلوم والقراءة، في وقت تدفع فيه التحولات العالمية نحو تعزيز الكفايات الأساسية والقدرة على التفكير النقدي والإبداعي.
وتخلص هذه القراءة إلى أن مشاكل المدرسة المغربية لا يمكن اختزالها في عنصر واحد، بل تتداخل فيها المناهج، والتكوين، والحكامة، والجودة، والفوارق الاجتماعية، والرقمنة، والسياسة اللغوية.
وبالتالي، فإن تجاوز تعثر الإصلاح لا يبدو مرتبطا بإطلاق استراتيجية جديدة بقدر ما يرتبط بمدى القدرة على تنفيذ الإصلاحات القائمة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، ومنح المدرسين والمؤسسات هامشا أكبر للفعل، وتحويل نتائج التقييمات إلى قرارات عملية قابلة للقياس.
فالتحدي الحقيقي أمام المدرسة المغربية خلال المرحلة المقبلة لن يكون في إنتاج المزيد من القوانين والخطط، وإنما في تحويل ما تم اعتماده من إصلاحات إلى نتائج ملموسة داخل الفصل الدراسي، حيث يتحدد فعليا مستقبل المتعلم وجودة المدرسة العمومية.