امحمد بن عبد السلام +–) النيف .

من النيف إلى تزارين والريصاني.. أيت بن أعوش يعيدون وصل خيوط الذاكرة الروحية مع زوايا الشرفاء
النيف – في مشهد حمل أكثر من دلالة روحية واجتماعية، التأم اليوم بمنزل عائلة أيت بن أعوش بالنيف، لقاء جمع أفراد العائلة وممثلين عن زوايا الشرفاء بالنيف وتزارين، في مبادرة تروم إعادة إحياء أواصر التواصل والرحم التي ظلت، بحسب رواية أبناء العائلة، تجمع أيت بن أعوش بهذه البيوتات والزوايا منذ أجيال.
اللقاء لم يكن مجرد مناسبة عائلية عابرة، بل بدا أقرب إلى محاولة لاستعادة خيط من ذاكرة المنطقة، وإعادة وصل علاقات روحية واجتماعية ظلت حاضرة في وجدان الأجيال، قبل أن تباعد المسافات والتحولات الاجتماعية بين الناس.
وفي مستهل اللقاء، رحب رئيس جمعية دادا عطا، السيد إبراهيم بن أعوش، بالحاضرين، معبراً عن سعادته باستقبال أفراد العائلة وضيوفها، ومؤكداً عمق الأواصر التي تجمع أيت بن أعوش بالشرفاء والزوايا، وهي علاقات قال إنها تمتد إلى زمن بعيد وتشكل جزءاً من الذاكرة المشتركة لأبناء المنطقة.
وشدد بن أعوش على أن استحضار هذه الروابط اليوم لا يراد منه فقط استعادة الماضي، وإنما تجديد صلة الرحم والتواصل بين العائلات، والحفاظ على القيم التي قامت عليها هذه العلاقات، وفي مقدمتها المحبة والتآخي والتكافل والتزاور والاحترام المتبادل.

القرآن والذكر والدعاء.. لقاء في أجواء من الخشوع
وسرعان ما أخذ اللقاء طابعاً روحانياً، بعدما تخللته تلاوة آيات من الذكر الحكيم، أعقبتها الابتهالات والأذكار والأدعية، وسط أجواء طبعها الخشوع والسكينة.
وتفاعل الحاضرون مع هذه اللحظات الروحية، التي أعادت إلى الواجهة الدور الذي ظلت تؤديه الزوايا في الحياة الدينية والاجتماعية بالمنطقة، باعتبارها فضاءات للذكر والدعاء والتواصل، وأماكن تلتقي فيها العائلات لتجديد روابطها واستحضار ذاكرة الأجداد.
كما خصص جانب من الدعاء لأمير المؤمنين، مع الابتهال إلى الله بأن يحفظه ويوفقه، وأن يديم على المملكة المغربية نعمة الأمن والاستقرار، في أجواء روحانية عكست حضور البعد الديني والوطني في هذا اللقاء.
حين تتحول الزيارة إلى جسر بين الأجيال
ولعل أبرز ما ميز اللقاء هو الإعلان عن برنامج لمواصلة هذه المبادرة خارج النيف، حيث كشف رئيس جمعية دادا عطا، السيد إبراهيم بن أعوش، عن برمجة زيارة إلى الزاوية الأمغارية بتزارين يوم غد، على أن يتوجه المشاركون بعد غد إلى الريصاني لزيارة ضريح مولاي علي الشريف.
وتحمل هذه الزيارات أكثر من بعد ديني؛ فهي، في بعدها الاجتماعي والثقافي، محاولة لإعادة تحريك علاقات قديمة وإخراجها من دائرة الذاكرة العائلية إلى فضاء التواصل المباشر بين الأجيال.
فالزاوية، في الذاكرة المغربية، لم تكن مجرد مكان للعبادة والذكر، بل كانت في كثير من مناطق البلاد فضاءً للتعلم والتواصل وإكرام الضيف والتكافل وإصلاح ذات البين. ومن هذا المنطلق، فإن إعادة إحياء الزيارات المتبادلة يمكن أن تشكل مناسبة لاستعادة جانب من هذا الدور الاجتماعي والروحي.

أيت بن أعوش.. استعادة ذاكرة لا تريد أن تنقطع
ويرى أبناء العائلة أن الحفاظ على هذه الروابط يكتسي أهمية خاصة في زمن تتسارع فيه التحولات الاجتماعية، وتتراجع فيه تدريجياً بعض مظاهر التواصل التقليدي التي كانت تجمع العائلات والقبائل والبيوتات.
ومن هنا، فإن مبادرة إحياء العلاقة بين أيت بن أعوش وزوايا الشرفاء بالنيف وتزارين ومولاي علي الشريف تبدو، في جوهرها، محاولة لإعادة الاعتبار لذاكرة اجتماعية وروحية متوارثة، ولإعطاء الأجيال الجديدة فرصة للتعرف على علاقات نسجها الأجداد عبر الزيارة والمودة وصلة الرحم.
كما تفتح هذه المبادرة الباب أمام إمكانية توثيق هذه الذاكرة، من خلال جمع الروايات الشفوية، والصور والوثائق القديمة، وتسجيل شهادات كبار السن، والبحث في تاريخ الزوايا والعائلات التي ارتبطت بها، حتى لا تظل هذه الذاكرة مهددة بالضياع مع مرور الزمن.
من النيف إلى تزارين ثم الريصاني.. مسار يستعيد الذاكرة
وبينما يستعد المشاركون للانتقال غداً إلى تزارين، ثم إلى الريصاني في اليوم الموالي، يبدو أن اللقاء الذي احتضنه منزل أيت بن أعوش بالنيف لم يكن سوى بداية لمسار يراد له أن يتواصل.
مسار عنوانه صلة الرحم، وإحياء الذاكرة، وتجديد العلاقات الروحية والاجتماعية، من النيف إلى تزارين، وصولاً إلى الريصاني، حيث ضريح مولاي علي الشريف، في رحلة تحمل في ظاهرها طابع الزيارة، لكنها في عمقها تعكس رغبة في إعادة وصل خيوط علاقة ظلت حاضرة في الذاكرة، وإن خفت حضورها بفعل الزمن والمسافات.
وبذلك، فإن لقاء اليوم بالنيف يبعث برسالة واضحة: أن العلاقات التي أسسها الأجداد لا ينبغي أن تبقى مجرد حكايات تُروى، بل يمكن أن تتحول إلى جسور جديدة للتواصل بين أبناء الحاضر، وحفظاً لذاكرة المنطقة للأجيال المقبلة.