حين يربي أيت عطا أصوات أحيدوس بالبكاء – من حفربا أحيدوس ايت عطا (2)
حسن كجوط – تزناخت، ورزازات
يعد أحيدوس من أبرز أشكال التعبير الفني الجماعي في الثقافة الأمازيغية، غير أن الحديث عنه بصيغة المفرد قد يحجب وراءه تنوعا كبيرا؛ فأحيدوس ليس قالبا واحدا ثابتا لدى جميع القبائل والمناطق الأمازيغية، بل تختلف أشكاله من قبيلة إلى أخرى، سواء من حيث طريقة الوقوف والرقص والحركات والإيقاع، أو من حيث طبيعة الأشعار التي يتغنى بها الشعراء داخل الرقصة، بل وحتى من حيث التسميات والأدوار التي يؤديها المشاركون فيها.
في هذه الورقة، نحاول القيام بنوع من «الحفريات» في أحيدوس عند أيت عطا، ليس بوصفه رقصة جماعية فحسب، وإنما باعتباره منظومة ثقافية متكاملة لها أعرافها وشروطها وقواعدها الخاصة، ونروم من خلال هذه المقالة المتواضعة تسليط الضوء على جانب من الأسرار التي يختزنها أحيدوس أيت عطا، والنبش في بعض تفاصيله وطقوسه وأعرافه التي توارثتها الأجيال، ولا سيما ما يرتبط بالشعر والارتجال والصوت، وبشخصية قائد أحيدوس المعروف باسم «لعريف» أو «بوتما»، “أمخلف”ودوره المحوري داخل الرقصة في القيادة.
سنركز، على وجه الخصوص، على هذه الشخصية المحورية، وعلى الشروط الفنية والأخلاقية التي تؤهله لقيادة صفوف أحيدوس، باعتباره حافظا لتقاليده، وموجها لإيقاعه، وضابطا لمجريات القول والإنشاد، وقد تبدو هذه التفاصيل بسيطة في ظاهرها، لكنها تكشف عن عمق ثقافي واجتماعي كبير، وعن منظومة من القواعد والقيم التي كانت تؤطر هذا الفن الجماعي لدى أيت عطا، وتسهم في استمراره وانتقاله عبر الأجيال.
– «أكرط ن أحيدوس»… حين يبدأ إعداد الصوت منذ الطفولة
من التفاصيل الثقافية اللافتة التي يتناقلها أبناء أيت عطا أن الاستعداد لأحيدوس قد يبدأ، رمزيا على الأقل، منذ مرحلة الطفولة.
فحين يبكي الطفل، كان بعض الكبار يقولون ألا يسكت، بل يترك (برفع الياء) ليبكي ويرفع صوته حتى يشتد حلقه ويصبح قادرا على إخراج صوت قوي. ويعبَّر عن ذلك بالقول:
«أدجات أديالا أفاد أد غرس إيلي أوكرط ن أحيدوس»
Adjat ad yalla afad ad ghurs yili ugrṭ n uḥidous.
أي:
«دعوه يبكي حتى يكون له حلق أحيدوس.»
وتكشف هذه العبارة الشعبية، على بساطتها، عن المكانة التي يحتلها الصوت في المخيال المرتبط بأحيدوس عند أيت عطا. فالمقصود بـ**«أكرط» (Agrṭ) هنا ليس الحلق باعتباره عضوا جسديا فحسب، وإنما القدرة على امتلاك صوت قوي، واضح، قادر على الوصول إلى صفوف أحيدوس وإلى الجمهور المحيط بها.
وهكذا يصبح «أكرط ن أحيدوس» صفة فنية، وربما معيارا من المعايير التي يقاس بها استعداد الشاعر أو «لعريف» لأداء دوره.
– لعريف أو بوتما… قائد أحيدوس
لا تكتمل صورة أحيدوس أيت عطا دون التوقف عند شخصية «لعريف»، الذي يسمى في بعض المناطق أيضا «بوتما» أو أ”مخلف” خاصة في واحة المحاميد وتاكونيت..
“لعريف” فهو ليس مجرد شخص يقف وسط الصف أو أمامه، ولا تقتصر وظيفته على ضبط حركات الراقصين، وإنما يمثل عنصرا أساسيا في بناء الفرجة الشعرية والفنية، إنه قائد يعرف إيقاع أحيدوس، ويتابع انسجام الصفوف، وفي الوقت نفسه يمتلك القدرة على إنتاج القول الشعري وتوجيهه، هنا نتحدث عن نوع شعري يرافق الرفصة يسمى “تكزيمت)
لم يكن الوصول إلى هذه المكانة متاحا لكل شخص، إذ كان «لعريف» مطالبا بتوفر مجموعة من الشروط التي تعترف بها الجماعة، بعضها فني وبعضها شعري، وبعضها الآخر أخلاقي واجتماعي.
– أولا: قوة الصوت – «أكرط»
أول هذه الشروط التي يجب أن يتحلى بن من يحلم بقيادة أحيدوس هو امتلاك الصوت، فعلى «لعريف» أن يكون قادرا على إلقاء القصيدة بصوت مرتفع وواضح، يستطيع من خلاله إسماع قوله إلى المشاركين والجمهور. وفي فضاء أحيدوس المفتوح، حيث تختلط أصوات الرجال والنساء وحركات الأجساد والإيقاع، تصبح قوة الصوت جزءا من أدوات الشاعر.
لكن قوة الصوت وحدها لا تكفي، إذ ينبغي أن يعرف صاحبه كيف يتحكم فيه، وكيف ينتقل به من نبرة إلى أخرى، وكيف يمنح البيت الشعري لحنه الخاص، ومن هنا نفهم بصورة أعمق العبارة المتداولة: «أكرط ن أحيدوس»، فالحلق هنا أداة للشعر والقيادة معا.
– ثانيا: الارتجال
الشرط الثاني، وربما من أصعب شروط «لعريف»، فهو الارتجال، فالشاعر الحقيقي داخل أحيدوس لا يأتي فقط بقصيدة أعدها وحفظها قبل دخوله إلى الرقصة، وإنما يفترض فيه أن يكون قادرا على قرض الشعر في اللحظة نفسها، يرى، ويسمع، ويتفاعل، ثم يحول ما يجري أمامه إلى قول شعري.
هنا تظهر قوة الشاعر وسرعة بديهته؛ إذ قد يكون مطالبا بالرد على شاعر آخر، أو التعليق على واقعة، أو التعبير عن موضوع يفرض نفسه في تلك اللحظة، فيحتاج إلى بناء الأبيات والمحافظة على معناها وإيقاعها وأدائها في الوقت نفسه، أحيدوس بهذا المعنى ليس مجرد فضاء لترديد المحفوظ، وإنما مختبر حي لإنتاج الشعر الشفهي.
– ثالثا: التجديد وعدم تكرار القديم
ومن الأعراف المهمة المرتبطة بالشعر داخل أحيدوس أيت عطا ألا يكتفي «لعريف» بإعادة الأشعار القديمة، فمن شروط التميز أن يأتي بالجديد، سواء تعلق الأمر بالقصيدة أو بطريقة أدائها ولحنها، ولا يستقيم أن يقدم قصيدة قديمة على أنها وليدة اللحظة، سواء كانت من أشعاره السابقة أو من أشعار غيره، هذا الشرط له دلالة مهمة، لأن المجتمع الذي يحتضن أحيدوس يمتلك بدوره ذاكرة شعرية.
فالشعراء والحاضرون يحفظون كثيرا مما قيل في المناسبات السابقة، ويعرفون القصائد وأصحابها، ولذلك يصعب على الشاعر أن يعيد قولا معروفا ويقدمه باعتباره إبداعا جديدا، غير أن الاقتباس قد يكون ممكنا، لكن بشرط الإشارة إلى صاحبه وعدم نسبته إلى النفس.
هنا تظهر إحدى صور الأمانة في الثقافة الشفهية؛ فحتى في غياب الكتاب والتدوين، تحفظ الذاكرة الجماعية حقوق القول ونسبته إلى صاحبه،
– رابعا: ابتكار اللحن
الابداع لا يتوقف عند الكلمات وحدها، بل يمتد إلى طريقة أدائها، فـ«لعريف» المتمكن يستطيع أن يقدم قوله بألحان ونبرات متجددة، فلا يكون الشعر منفصلا عن موسيقاه الداخلية. ومن هنا تصبح القدرة على خلق طريقة جديدة في الأداء إحدى علامات التميز، ذذإنه لا ينتج الكلمة فقط، وإنما ينتج معها الصوت واللحن وطريقة الإلقاء.
وهذا ما يجعل بعض الشعراء يبقون في ذاكرة الناس، ليس بسبب ما قالوه فقط، وإنما أيضا بسبب الطريقة التي قالوا بها أشعارهم.
– الأخلاق شرط في «لعريف»
اضافة الى القواعد السابقة هناك شرط اخر مهم، ضروري ان يتحلى به الشاعر لاداء رقصة أحيدوس، لأن الكفاءة الفنية وحدها لا تصنع «لعريف»، فقد يكون الرجل قوي الصوت، سريع الارتجال، قادر على قرض الشعر، لكنه لا يحظى بالمكانة نفسها إذا كان سلوكه داخل القبيلة غير مقبول، حيث كان ينتظر من «لعريف» أن يكون شخصًا محترما ومتخلقا، معروفا بحسن سيرته داخل الجماعة، وتظهر أهمية هذا الشرط بوضوح في العلاقة بين صفي الرجال والنساء في أحيدوس.
فإذا كان الشخص الذي يتقدم الرجال سيئ السمعة أو غير محترم داخل القبيلة، فقد تحجم الفتيات والنساء عن التقدم لمقابلة صف الرجال في أحيدوس.
وهذه المسألة تكشف أن قيادة أحيدوس ليست سلطة فنية فقط، وإنما هي قبل ذلك ثقة اجتماعية تمنحها الجماعة للشخص، فـ«لعريف» يمثل الصف الذي يقوده، وحضوره وسلوكه ينعكسان على نظرة الآخرين إلى ذلك الصف.
– أحيدوس فضاء للشعر والذاكرة
تكشف هذه التفاصيل أن أحيدوس أيت عطا يتجاوز التعريف المبسط الذي يحصره في كونه رقصة جماعية مصحوبة بالغناء.
إنه فضاء تلتقي داخله مجموعة من العناصر: الشعر، والصوت، والارتجال، واللحن، والحركة، والذاكرة، والأخلاق، ونظرة الجماعة إلى الفرد.
والشاعر داخله لا يؤدي نصا محفوظا فحسب، بل يدخل في امتحان أمام ذاكرة جماعية يقظة؛ فإذا أعاد قولا قديما عرفه الناس، وإذا اقتبس من شاعر آخر كان عليه أن يحفظ لصاحب القول حقه، وإذا عجز عن الارتجال ظهر ذلك أمام شعراء الصف والجمهور.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى أحيدوس باعتباره إحدى المؤسسات التقليدية التي حفظت الشعر الشفهي الأمازيغي. فالقصيدة لم تكن بحاجة دائما إلى الورق كي تستمر؛ كان يكفي أن تخرج من حلق شاعر قوي، وأن يرددها الصف، وأن تعلق في ذاكرة الحاضرين حتى تنتقل من جيل إلى آخر.
تلخص جانبا عميقا من هذه الثقافة.
فالطفل الذي يرفع صوته اليوم قد يصبح في المخيال الجماعي شاعر الغد، لكن الطريق من «أكرط» الطفل إلى صوت «لعريف» لا تصنعه قوة الحنجرة وحدها، بل يحتاج إلى ذاكرة، وسرعة بديهة، وقدرة على الارتجال، وتجديد في الشعر واللحن، ومعرفة بأعراف أحيدوس، وفوق كل ذلك إلى مكانة أخلاقية داخل الجماعة ، وهنا تكمن إحدى خصوصيات أحيدوس أيت عطا: فمن يقود الصف لا يكفي أن يكون صوته مسموعا، بل ينبغي أن تكون كلمته مقبولة أيضا.
ومن خلال هذه التفاصيل الصغيرة، التي قد تبدو هامشية للوهلة الأولى، يمكن القيام بحفريات أعمق في أحيدوس أيت عطا، والانتقال من دراسة الرقصة باعتبارها شكلا فنيًا إلى قراءتها باعتبارها نظاما ثقافيا واجتماعيا متكاملا، تختزن داخله الذاكرة الجماعية جزءا من تصورات أيت عطا حول الشعر، والإبداع، والأخلاق، والقيادة…