حسن كجوط ـ ورزازات
في زمن تتسارع فيه وتيرة إنتاج المحتوى الإعلامي، لم يعد الولوج إلى مجال الصحافة حكرا على من امتلك أدواتها العلمية وأخلاقياتها المهنية، بل أضحى فضاء مفتوحا لكل من يملك منصة أو حسابا على وسائل التواصل الاجتماعي، هذا الانفتاح، رغم ما يحمله من إيجابيات تتعلق بحرية التعبير وتعدد الأصوات، أفرز أيضا ظواهر مقلقة، من بينها بروز نماذج تدعي ممارسة العمل الصحفي دون سند معرفي أو تكوين أكاديمي أو حتى حد أدنى من الوعي برسالة الإعلام.
إن المتأمل في بعض الحوارات الإعلامية يلمس بسهولة هشاشة الطرح وسطحية الأسئلة، حيث يغيب العمق التحليلي وتحضر الانطباعات الجاهزة، فالصحفي، في جوهره، ليس مجرد ناقل للكلام أو محاور عابر، بل هو فاعل معرفي يطرح الأسئلة بدقة، ويحسن الإصغاء، ويقود النقاش نحو الإضاءة لا الإثارة، أما حين تتحول الأسئلة إلى أدوات لتوجيه الضيوف أو استدراجهم نحو أجوبة معينة، فإننا نكون أمام ممارسة بعيدة كل البعد عن المهنية.
و من بين المؤشرات الدالة على هذا الانزلاق، الإصرار المتكرر على إدخال مواضيع بعينها في كل نقاش، حتى وإن لم تكن ذات صلة مباشرة بموضوع الحلقة. وعندما يُطرح موضوع الهوية الأمازيغية بشكل نمطي ومتكرر، لا بهدف الفهم أو النقاش البناء، بل كوسيلة لإثارة الجدل أو تمرير مواقف مسبقة، فإن ذلك يكشف عن انحياز واضح، وقد يعكس حمولة إيديولوجية تؤطر الرؤية الإعلامية لصاحبها، فالقضايا المرتبطة بالهوية ليست مادة للاستفزاز أو الاستهلاك، بل جزء أصيل من نسيج المجتمع، تتطلب معالجة رصينة وواعية بسياقاتها التاريخية والثقافية.
و لا يمكن إغفال الدور الكبير الذي تلعبه وسائل التواصل الاجتماعي في صناعة مثل هذه النماذج، فبفضل خوارزميات تفضل المحتوى المثير للجدل والسريع الانتشار، يجد البعض أنفسهم مدفوعين نحو تبني أساليب سطحية أو خطاب متشنج فقط من أجل جذب الانتباه وتحقيق نسب مشاهدة كثيرة, وهنا تبرز إشكالية أخرى لا تقل خطورة، وهي تحول منطق الإنتاج الإعلامي من خدمة القضايا إلى السعي وراء الربح.
لقد ساهمت أنظمة تحقيق الدخل، مثل الإعلانات الرقمية و”الأدسنس”، في دفع بعض صناع المحتوى إلى التركيز على عدد المشاهدات والعائدات المالية أكثر من اهتمامهم بجوهر الرسالة الإعلامية. فأصبح “الترند” هدفا بحد ذاته، ولو على حساب الدقة والمصداقية. وفي هذا السياق، يلجأ البعض إلى الخوض في الحياة الشخصية لشخصيات عامة أو مسؤولين، لا بدافع المصلحة العامة أو الرقابة الصحفية، بل بغرض الإثارة وجذب المتابعين، وهو ما يفتح الباب أمام التشهير والتجريح والمس بكرامة الأفراد من أجل تحقيق أرباح مادية.
حين يتحول الإعلام إلى منبر للسطحية والانحياز والتشهير، فإنه يفقد جوهره كسلطة رابعة، ويصبح أداة للتأثير السلبي بدل التنوير، فالسطحية تفرغ المحتوى من قيمته، والانحياز يقوض مبدأ الحياد، والتشهير يهدد السلم الاجتماعي ويمس بالأخلاق المهنية، وقد يترتب عنه أيضا تبعات قانونية خطيرة.
الإعلام المسؤول هو الذي يلتزم بأخلاقيات المهنة: التحقق من المصادر، احترام الرأي والرأي الآخر، حماية الحياة الخاصة، وتقديم محتوى يخدم الصالح العام. كما أن المسؤولية لا تقع على صناع المحتوى فقط، بل تشمل أيضا الجمهور، الذي بات مطالبا بأن يكون ناقدا وواعيا، يميز بين الخطاب الرصين والخطاب الشعبوي، وألا ينساق وراء كل ما يقدم له دون تمحيص.
ورغم ما يعتري الجسم الصحفي من اختلالات وخروقات، فإن الرهان على المهنية يظل قائما وسيبقى الإعلام رسالة قبل أن يكون مهنة، وأخلاقا قبل أن يكون مهارة، وكل من يختار هذا الطريق دون استعداد معرفي أو التزام أخلاقي، لا يسيء إلى نفسه فقط، بل يساهم في إضعاف ثقة المجتمع في الإعلام ككل، ومن هنا تبرز الحاجة الملحة لإعادة الاعتبار لقيم الصحافة الحقيقية، القائمة على المعرفة، والمسؤولية، واحترام عقول الناس.