حسن كجوط ـ الرباط
يعد الشعر الشفهي الأمازيغي أحد أهم مكونات التراث اللامادي لدى كل القبائل الأمازيغية، إذ يشكل وعاء لحفظ الذاكرة الجماعية والتعبير عن مختلف القضايا الاجتماعية والثقافية والوجدانية.. وقد أفرز هذا التراث أنماطا شعرية متعددة، يختلف كل منها من حيث البنية والوظيفة والشكل..ويختلف من قبيلة الى آخرى، ومن بين هذه الأنماط ما يعرف بـ “إزلان” أو “أورار” أو “لايلي”، ويطلق عليه في بعض مناطق أيت عطا أيضا ب : “إمطاون ن ووشن” في منطقة أماغا، أربعة أسماء لنمط شعري واحد، هذا النوع ارتبط في الأصل بالنساء، حيث يؤدى في سياقات الغضب أو العتاب أو الاحتجاج، ويستعمل وسيلة للتعبير عن المشاعر والانفعالات.. لكن في بعض الأحيان، نجد الرجال يلجؤون إلى هذا النمط في بعض الحالات الاستثنائية، خاصة عندما يتعرض أحدهم للقصف من طرف امرأة، فيستعين بهذا اللون الشعري للرد و للتعبير عن معاناته أو للسخرية من الوضع الذي آل إليه، في إطار يسمح به العرف الاجتماعي ويمنح الشاعر مساحة للتعبير الرمزي بعيدا عن المواجهة المباشرة.
والقصيدة التي بين أيدينا تنتمي إلى هذا اللون الشعري، وقد نظمها أحد شعراء قبائل أيت عطا ليصور من خلالها التحولات التي طرأت على المجتمع، وما صاحبها من تغير في العلاقات الأسرية وأدوار أفراد الأسرة، اختار الشاعر أن يجسد هذه التحولات من خلال موقف بسيط ظاهريا، يتمثل في وصف نفسه ضيفا وسط أبنائه داخل بيته، بينما ترمقه زوجته بنظرات عابسة، وهي صورة شعرية مكثفة تختزل أبعادا اجتماعية ونفسية وثقافية عميقة، وتجعل من القصيدة نصا مفتوحا على التأويل، يكشف عن قدرة الشعر الأمازيغي على تصوير الواقع الاجتماعي بلغة رمزية تجمع بين المجاز و الإيحاء والطرافة ..
يقول الشاعر:
Aghul gikh anbgi ay ichirran
Da yitsksiw s gar aln mma nnun
الترجمته المقربة:
غدوت ضيفا عندكم يا أبنائي،
وأمكم ترمقني بنظرات عابسة
يقوم هذا البيت على مفارقة دلالية تجمع بين الواقع والايحاء؛ ففي الشطر الأول يعلن المتكلم أنه أصبح «ضيفا» لدى أبنائه، وهي عبارة تتجاوز معناها الحرفي إلى معنى رمزي، فالأب، في الثقافة الأمازيغية التقليدية، يمثل رب الأسرة وصاحب البيت، ولذلك فإن وصفه لنفسه بالضيف داخل بيت أبنائه يوحي بتحول في مكانته الأسرية والاجتماعية، ويعكس إحساسا بالتراجع أو الاغتراب داخل الفضاء الذي كان يمثل فيه سلطة الأبوة.
أما السطر الثاني، فينقل المتلقي من وصف الحالة إلى تصوير الموقف النفسي للزوجة، من خلال قوله: “وأمكم ترمقني بنظرات عابسة”، ويعتمد الشاعر هنا على صورة بصرية موحية، لا يفصح فيها عن طبيعة العلاقة بين الزوجين تصريحا مباشرا، وإنما يتركها تتجلى عبر النظرة، وتوحي هذه النظرات بعدم الارتياح أو الامتعاض أو العتاب، غير أن أهم ما يميزها أنها تفتح المجال أمام التأويل، إذ لا يحدد الشاعر سبب هذا الموقف، وإنما يكتفي بالإشارة إليه، وفي ضوء السياق العام للبيت، يمكن فهم هذه النظرات بوصفها دلالة على أن الزوجة لم تعد تمنح زوجها المكانة أو الاهتمام اللذين كان يحظى بهما، وهو ما يعزز الإحساس بالغربة الذي عبر عنه في الشطر الأول.
ومن الناحية البلاغية، يقوم النص على بناء فني متماسك يعتمد المفارقة والكناية والإيجاز، فالمفارقة تتجسد في اجتماع صفة الضيف مع الأب داخل أسرته، وهو تناقض واضح يكشف تحولا في العلاقات الأسرية، أما الكناية فتبرز في عبارة “ترمقني بنظرات عابسة/ Da yitsksiw s gar aln mma nnu”، إذ تعبر عن موقف نفسي واجتماعي دون الإفصاح عنه مباشرة، مما يمنح الصورة الشعرية كثافة دلالية ويجعلها قابلة لقراءات مختلفة، كما يتسم البيت بالإيجاز، (رغم أن هذا النوع يقتصر على شطرين فقط، أي مختصر عكس نوع تكزيمت، أو تمديازت المعروف بشكلهم العمودي الطويل) إذ يختزل تجربة إنسانية واجتماعية معقدة في عبارتين قصيرتين، وهي سمة أصيلة في الشعر الأمازيغي الغنائي الذي يعتمد الاقتصاد اللغوي مع غنى الدلالة.
وعلى المستوى السوسيولوجي، يعكس البيت جانبا من التحولات التي قد تعرفها الأسرة التقليدية، حيث تتحول علاقة الأب بأفراد أسرته مع مرور الزمن، فيصبح حضوره أقل تأثيرا مما كان عليه في السابق، كما تبرز شخصية الزوجة باعتبارها عنصرا مؤثرا في الحياة الأسرية، وهو ما يعكس مكانة المرأة داخل البنية الاجتماعية الأمازيغية، ويكشف أن العلاقات داخل الأسرة لا تقوم فقط على السلطة، بل أيضا على التفاعل النفسي واليومي الذي قد يتراوح بين المودة والعتاب والسخرية.
بينما القيمة الجمالية تتجلى لهذا البيت في بساطته التعبيرية وقدرته على تحويل موقف يومي مألوف إلى صورة شعرية ذات أبعاد إنسانية عميقة، فالشاعر لا يلجأ إلى الوصف المطول أو الخطاب المباشر، وإنما يعتمد لغة الإيحاء، ويترك للقارئ مهمة استكمال المعنى من خلال استحضار المرجعيات الاجتماعية والثقافية التي ينتمي إليها النص، وبهذا تتحول التجربة الفردية إلى تجربة إنسانية عامة، يجد فيها المتلقي صورة للعلاقات الأسرية والتغيرات التي يطرأ عليها مع مرور الزمن.
يبرز هذا البيت خصائص الشعر الأمازيغي الغنائي، من خلال بساطة لغته وعمق دلالاته، يعكس جانبا من العلاقات الأسرية والتحولات الاجتماعية داخل المجتمع الأمازيغي، كما يكشف عن قدرة الشاعر على توظيف الإيحاء والمفارقة للتعبير عن أفكاره ومشاعره، مما يجعل هذا النص شاهدا على القيم والثقافة التي يحملها الشعر الشفهي الأمازيغي.