سارة حاجي ـ مراكش
يقدم المخرج المغربي مدان الغزواني في فيلمه الطويل الأول “زمن سيء“ (Mauvais Temps) تجربة سينمائية إنسانية عميقة، تبتعد عن الصخب لتغوص في جوهر المعاناة اليومية الصامتة. من خلال قصة الطفل “أيوب” وعائلته التي تعيش في منزل موروث عن الجد، ينسج الغزواني دراما اجتماعية تنطلق من حادثة تقسيم الميراث لتتحول إلى مأساة تمس أعمق روابط الخصوصية والكرامة الإنسانية. فبمجرد أن طالب العم بحقه في الإرث وقُسّم المسكن، وجدت العائلة نفسها في مواجهة معضلة قاسية: العيش في منزل يفتقر لأبسط المرافق الحيوية، مما حول التفاصيل البديهية للحياة إلى اختبار يومي للصبر والروابط الأسرية.
في هذا العمل، الذي عُرض ضمن فعاليات مهرجان مراكش الدولي للفيلم، يبرع الغزواني في تحويل “المكان” إلى بطل رئيسي، حيث تضيق الجدران وتنكشف الأسرار، وتصبح الخصوصية عملة نادرة في ظل الفقر والنزاع العائلي. لم يكن “سوء الزمن” في الفيلم مجرد عنوان، بل كان تجسيداً للحظة التي تنهار فيها التوازنات الهشة لعائلة بسيطة تحت ضغط الحاجة. وبفضل رؤية إخراجية رصينة، استطاع الغزواني، الذي لفت الأنظار سابقاً في مهرجان طنجة، أن يقدم معالجة سينمائية بصرية تعتمد على الإيحاء والعمق النفسي، بمشاركة طاقم تمثيلي متميز ضم عبد النبي بنيوي وهاجر كريكع ومحمد مروة، الذين نجحوا في تجسيد هذا الصراع الصامت ببراعة مذهلة.
إن “زمن سيء” ليس مجرد فيلم عن الفقر، بل هو مرآة تعكس كيف يمكن للضغوط المادية أن تفتت النسيج العاطفي للأسرة وتضع القيم الإنسانية تحت المجهر. ومن خلال عين الطفل “أيوب”، نكتشف كيف تتحول البراءة إلى وعي مبكر بمرارة الواقع. بهذا العمل، يؤكد مدان الغزواني أنه صوت سينمائي قادم بقوة، يمتلك القدرة على تحويل المأساة الفردية إلى قضية إنسانية كونية، مذكراً إيانا بأن كرامة الإنسان قد تُمتحن في أبسط تفاصيل عيشه، وأن السينما تظل النافذة الأجمل لتسليط الضوء على تلك الزوايا المنسية من حياتنا.