حسن كجوط ـ ورزازات
في كل مرة تشتعل فيها حرب في بقعة من العالم، يظهر في المغرب (كما في كثير من البلدان المتخلفة) صوت مرتفع من التعاطف والانفعال، وهو تعاطف إنساني مفهوم ومشروع، لأن الإنسان بطبيعته يتأثر بمآسي الآخرين أينما كانوا، رغم البعد الجغرافي ورغم الاختلاف في اللسان والدين والعرق، غير أن ما يثير التساؤل ليس التعاطف في حد ذاته، بل تحول هذا التعاطف أحيانا إلى انشغال دائم ومفرط بقضايا بعيدة، مقابل صمت شبه كامل تجاه القضايا القريبة التي يعيشها المجتمع المغربي يوميا.
فخلال السنوات الماضية، انشغل جزء من النقاش العام في المغرب بقضايا الشرق الأوسط: فلسطين، سوريا، العراق، واليوم إيران. تكتب المقالات، و تنظم محاضرات و مناظرات، وتسجيل كبسولات فيديو وتنشر التعليقات، وتسيل “الدموع الافتراضية” على مواقع التواصل الاجتماعي، وكأن مصير هذه الصراعات هو القضية المركزية التي تحدد حياة المغاربة، ومع كل حرب جديدة، يتجدد الخطاب نفسه، والأسلوب نفسه، واللغة نفسها، والانفعال نفسه، و من الملاحظ أيضا أن الوجوه التي تقود المسيرات والوقفات المرتبطة بهذه القضايا تكاد تكون نفسها في كل مناسبة،نفس الأشخاص، نفس الشعارات، ونفس الخطابات تتكرر في كل مرة. والغريب أن عددهم، رغم الضجيج الذي يثيرونه، يظل محدودا ويمكن عدهم على رؤوس الأصابع.
و مع ذلك، ينجح هذا العدد القليل في إعطاء الانطباع وكأنهم يمثلون صوت المجتمع بأكمله، بينما الواقع أكثر تعقيدا وتنوعا. فالمجتمع المغربي، في حقيقته، أوسع بكثير من أن يختزل في خطاب فئة صغيرة أو في شعارات ترفع في الشارع بين الحين والآخر.
إن التضامن الحقيقي لا يقاس بعدد المسيرات ولا بالصخب و بعلو الأصوات في الساحات، بل بمدى القدرة على تحويل القيم الإنسانية إلى عمل مسؤول ومتوازن. فالمجتمع الذي ينشغل فقط بتكرار الشعارات قد ينسى في لحظة ما أن البناء الحقيقي يبدأ من الداخل، من معالجة قضاياه الأساسية ومن العمل الجاد من أجل مستقبله.
لكن المفارقة أن هذا الحماس لا يترجم دائما إلى اهتمام مماثل بقضايا الداخل: التعليم، الصحة، البطالة، التنمية المحلية، مستقبل الشباب، والقضية الأمازيغية، سكان الجبال و العالم القروي..وهي قضايا تمس حياة المواطن مباشرة وتحتاج إلى نقاش عقلاني ومساهمة فكرية جادة.
المشكلة ليست في التضامن مع الشعوب الأخرى؛ فالتضامن قيمة إنسانية نبيلة، المشكلة تكمن في اختلال ميزان الاهتمام، حين تتحول القضايا الخارجية إلى ملاذ للهروب من مواجهة أسئلة الداخل الصعبة والمعقدة، فبدل أن يكون المثقف أو صاحب الرأي منشغلا بتحليل واقع بلده واقتراح حلول لمشكلاته، ينخرط أحيانا في ترديد خطابات جاهزة قادمة من فضاءات أخرى، أو في إعادة إنتاج صراعات لا يملك أي تأثير حقيقي فيها.
و المؤسف أن بعض من يفترض أنهم “مثقفون” يكتفون بتكرار ما يقوله شيوخ السياسة و شيوخ الدين أو الإعلام أو الأيديولوجيا وغيرهم, بل وحتى شيوخ تلك التيارات أنفسهم، دون جهد حقيقي في التفكير النقدي أو التحليل المستقل. فيتحول النقاش إلى مجرد صدى لخطابات جاهزة، لا إلى مساحة للعقل والتفكير.
في المقابل، لا يمكن إنكار أن المغرب يزخر أيضا بأصوات حرة وعقول يقظة، تناضل بصمت من أجل البناء والتطوير، وتشتغل على قضايا المجتمع الحقيقية. هؤلاء يدركون أن حب الوطن لا يعني الانغلاق عن العالم، لكنه أيضا لا يعني تجاهل همومه الأساسية، فالتوازن بين الانفتاح على قضايا الإنسانية والاهتمام بقضايا الوطن هو ما يصنع الوعي الناضج.
و من الظواهر التي برزت في السنوات الأخيرة ما أصبح بعض المغاربة يصفونه ساخرين بـ”الكوفيين”، في إشارة إلى أولئك الذين يرفعون الكوفية الفلسطينية ويجعلون من القضية الفلسطينية محورا وحيدا لنشاطهم و خطابهم، إلى درجة يبدو معها أحيانا أنهم أكثر انشغالا بها من كثير من الفلسطينيين أنفسهم.
لا أحد يجادل في عدالة القضية الفلسطينية ولا في مشروعية التضامن معها، فهي قضية إنسانية وسياسية عادلة. غير أن هناك قضايا لشعوب مضطهدة أخرى لا تنال نصيبها من التضامن والاهتمام، مثل الطوارق في الصحراء الكبرى، والأكراد، وبعض شعوب إفريقيا كالسودان وأزواد. غير أن الإشكال الحقيقي يظهر حين يتحول هذا التضامن إلى سلوك صاخب في الفضاءات العامة، يعرقل السير أحياناً ويغرق النقاش العام في الشعارات والاتهامات، بدل أن يفتح باب التفكير الهادئ والمسؤول.
فبعض هؤلاء لا يكتفون بالتعبير عن التضامن، بل يتجهون إلى مهاجمة مجتمعهم نفسه، تراهم يسبون المغاربة ويشككون في وطنيتهم، ويتهمونهم بالعمالة أو الخيانة إن لم يشاركوا في نفس الحماس أو في نفس الخطاب. كما يوجهون سهامهم إلى مؤسسات بلدهم ومسؤوليه، ليس بدافع نقد سياسي مسؤول، بل أحيانا بدافع المزايدة الأخلاقية ومحاولة إظهار أنهم أكثر “إنسانية” و”حقوقية” من غيرهم.
و هنا يتحول التضامن من قيمة نبيلة إلى شكل من أشكال الاستعراض الأخلاقي. فبدل أن يكون الدفاع عن القضايا العادلة منطلقا لتعزيز قيم العدالة داخل المجتمع نفسه، يصبح أداة لمهاجمة المجتمع والتشكيك فيه.
هذا السلوك يصفه بعض المفكرين بظاهرة الاستلاب، حين يفقد الإنسان توازنه بين الانتماء لقضاياه الوطنية والانفتاح على قضايا العالم، فيتبنى خطابا مستوردا ويعيد إنتاجه دون تمحيص، كما يمكن أن يتحول إلى نوع من الغرور الأخلاقي الذي يجعل صاحبه يعتقد أنه يحتكر الحقيقة والإنسانية، بينما ينظر إلى مجتمعه نظرة دونية.
و الحقيقة أن الدفاع عن القضايا العادلة لا يتعارض مع حب الوطن، كما أن التضامن مع الشعوب المظلومة لا يجب أن يتحول إلى عداء للمجتمع الذي ننتمي إليه، فالوعي الناضج هو الذي يجمع بين الاثنين: إنسانية تجاه العالم ومسؤولية تجاه الوطن، غير أن الوطن وقضاياه يظلان دائما أولى بالاهتمام والرعاية.
إن المغرب اليوم في حاجة إلى طاقة فكرية توجه نحو البناء: نحو التفكير في التعليم، والاقتصاد، والثقافة، والعدالة الاجتماعية. يحتاج إلى نقاشات تطرح الأسئلة الصعبة حول المستقبل، بدل الاكتفاء بالبكاء من خلف الشاشات على مآسي العالم وقضايا الشعوب البعيدة.
فالتعاطف مع الآخرين لا يجب أن يتحول إلى بديل عن التفكير في الذات، والاهتمام بقضايا العالم لا ينبغي أن يطمس القضايا التي يعيشها مجتمعنا المغربي يوميا، فإن الأمم لا تتقدم بكمية الدموع التي تذرفها على حروب الآخرين، بل بقدرتها على تشغيل عقولها لخدمة قضاياها وبناء مستقبلها، و الإنسانية التي تستحضرونها كلما أثير النقاش عن مشاكل فلسطين وغيرها، يقحمون لفظة الإنسانية في غير موضعها، الأولى أن تسخر لخدمة وطنك؛ و الدفاع عن حقوق الإنسان يحتاجه قبل غيره إخوتك المغاربة الذين يرزحون تحت وطأة التهميش والإقصاء والظلم…