تحرير سوق الكهرباء في المغرب بين رهانات الاستثمار وحماية القدرة الشرائية
في سياق التحولات الطاقية التي يشهدها العالم، عاد النقاش في المغرب حول مستقبل سوق الكهرباء إلى الواجهة، خاصة بعد توصيات صندوق النقد الدولي التي دعت إلى تسريع وتيرة تحرير هذا القطاع الحيوي. غير أن هذا التوجه يصطدم بمعطى أساسي يتمثل في استمرار دعم الأسعار، وهو ما يطرح إشكالا معقدا بين منطق السوق ومتطلبات العدالة الاجتماعية.
توصيات الصندوق جاءت في إطار موافقته على تمويل يهدف إلى دعم المرونة المناخية، حيث يرى أن تحرير سوق الكهرباء من شأنه أن يعزز مشاركة القطاع الخاص، خاصة في مشاريع الطاقات المتجددة، ويساهم في تقليص الاعتماد على الطاقات المستوردة. كما يُفترض أن يفتح هذا التوجه المجال أمام تنافسية أكبر وخلق فرص استثمار جديدة.
غير أن الواقع المغربي يكشف عن توازن دقيق تحاول الدولة الحفاظ عليه. فمن جهة، تسعى إلى جذب الاستثمارات الخاصة لمواكبة المشاريع الكبرى في مجال الطاقة، ومن جهة أخرى تحرص على إبقاء أسعار الكهرباء في متناول المواطنين، عبر آليات الدعم التي تخفف من وقع التكاليف المرتفعة.
و يرى عدد من الخبراء أن الانخراط في تحرير السوق بشكل كامل قد يترتب عنه ارتفاع في أسعار الكهرباء، ما قد ينعكس سلبا على القدرة الشرائية للأسر، خصوصا في ظل الضغوط الاقتصادية الراهنة. لذلك، يتم الحديث عن نموذج هجين يتيح انفتاح القطاع على الاستثمار الخاص دون التخلي عن دور الدولة في ضبط الأسعار.
في المقابل، يعتبر بعض المحللين أن اللجوء إلى القطاع الخاص لم يعد خيارا بل ضرورة، بالنظر إلى حجم الاستثمارات المطلوبة في مشاريع الطاقات المتجددة والبنيات التحتية، وهي استثمارات تفوق الإمكانيات العمومية المتاحة.
بين هذه الرهانات المتباينة، يبدو أن المغرب يسير نحو مقاربة تدريجية، تقوم على تحرير جزئي ومدروس لسوق الكهرباء، مع الإبقاء على آليات الحماية الاجتماعية. وهي معادلة دقيقة ستحدد ملامح السياسة الطاقية للمملكة خلال السنوات المقبلة، بين منطق السوق ومتطلبات الاستقرار الاجتماعي.