حسن كجوط ـ الرباط
يعتبر كتاب أوثان السلفية التاريخية للدكتور عبد الخالق كلاب من الأعمال الفكرية التي أثارت نقاشا واسعا في الساحة الثقافية، نظرا لجرأته في مقاربة التاريخ وإعادة مساءلة ما يعتبره البعض من “المسلمات” الراسخة، فالكتاب لا يندرج ضمن الكتابات التاريخية التقليدية، بل يمثل محاولة نقدية لتفكيك البنية الذهنية والعقلية المتخلفة أو المتأدلجة أو بتعبير أدق مستلبة، و التي تتعامل مع التاريخ باعتباره حقيقة نهائية غير قابلة للنقاش، وأن ما قرأته الأجيال في مقررات مختلف المستويات التعليمية حقيقة مطلقة,
ينطلق الكاتب من فكرة محورية مفادها أن جزءا مهما من التاريخ الذي تم تداوله عبر الأجيال تحول إلى ما يشبه “الأوثان الفكرية”، أي روايات وأكاذيب تم تقديسها وإعادة إنتاجها دون إخضاعها للتحليل أو التمحيص. ويرى أن هذا التقديس أفرز نوعا من “السلفية التاريخية”،حيث يتم استحضار ما كتبه المعادين للأمازيغية عن الماضي بشكل جامد ونقله إلى الحاضر بشكل حرفي، وتوظيفه في الحاضر كأنه حقيقة.
في هذا الإطار، يدعو المؤلف إلى إعادة قراءة التاريخ، خصوصا التاريخ المغربي الأمازيغي التي تعرض للطمس و التزوير منذ قرون، بعيدا عن الروايات الكلاسيكية التي يعتبرها منحازة أو متأثرة بمركزيات خارجية، خاصة المشرقية منها، ويؤكد على ضرورة إبراز دور الشعب الأمازيغي في صناعة التاريخ، بدل اختزال هذا التاريخ في روايات أحادية الجانب، واعتبار كل مكونات الحضارة الغربية أجنبية و مشرقية، من عمران ومدن وثقافة وكل التراث المادي و الغير المادي.
ومن بين القضايا التي يثيرها الكتاب، إعادة النظر في بعض المفاهيم السائدة، مثل مفهوم “الفتح” الذي يدعو إلى مساءلته وإعادة تعريفه في ضوء معطيات تاريخية مختلفة، وكذلك بعض التسميات الجغرافية والتاريخية التي يرى أنها تعكس رؤية مركزية لا تعبر بالضرورة عن واقع المنطقة، ومن خلال ذلك، يسعى الكاتب إلى خلخلة اليقينيات وفتح باب النقاش حول كيفية كتابة التاريخ ومن يملك سلطة صياغته.
يعتمد عبد الخالق كلاب في طرحه على منهج تفكيكي نقدي، يقوم على مساءلة النصوص والروايات التاريخية، ومحاولة الكشف عن الخلفيات الإيديولوجية التي ساهمت في تشكيلها، وهو منهج يسعى إلى تجاوز القراءة التقريرية للتاريخ نحو قراءة تحليلية تسائل المسكوت عنه وتعيد ترتيب الوقائع ضمن سياقاتها.
غير أن هذا الطرح لم يمر دون إثارة جدل واسع، إذ يرى بعض النقاد أن الكتاب يبالغ في الطابع النقدي إلى حد قد يوقع في نوع من إعادة التأويل الإيديولوجي للتاريخ، أو في التركيز على مقاربات ذات بعد هوياتي ضيق، بينما يعتبره آخرون خطوة ضرورية لكسر الجمود الفكري وإعادة فتح النقاش حول قضايا ظلت لسنوات طويلة خارج دائرة النقد.
في المحصلة، لا يقدم كتاب “أوثان السلفية التاريخية” سردا بديلا للتاريخ بقدر ما يطرح سؤالا جوهريا حول كيفية قراءته وفهمه، فهو دعوة صريحة إلى التحرر من الروايات الجاهزة، والتعامل مع الماضي باعتباره مجالا مفتوحا للنقاش والبحث، لا كحقيقة مطلقة مكتملة، وبذلك، يضع القارئ أمام مسؤولية التفكير النقدي، ويحثه على إعادة النظر في كثير من المسلمات التي شكلت وعيه التاريخي.
رغم الانتقادات والهجمات التي طالت عبد الخالق كلاب وكتاباته، فإن كتاب أوثان السلفية التاريخية عرف انتشارا ملحوظا، حيث نفدت طبعته الأولى، تلتها الثانية، ما يعكس إقبالا جماهيريا لافتا واهتماما واسعا بمضمونه،
في المقابل، أثار الكتاب ردود فعل متباينة، إذ عبر بعض المنتقدين، من تيارات فكرية مختلفة، عن رفضهم لأطروحاته، بل ودعوا إلى عدم اقتنائه، معتبرين أنه يطرح قراءات مثيرة للجدل حول التاريخ والهوية، كما وجه إليه بعض الكتاب انتقادات حادة، وصلت أحيانا إلى التشكيك في منهجه وأطروحاته.
ورغم هذا الجدل، يواصل الكاتب الدفاع عن أفكاره، معتبرا أن ما يقدمه يدخل في إطار حرية البحث العلمي والنقاش الفكري، ومؤكدا على ضرورة إعادة قراءة التاريخ بشكل نقدي بعيدا عن المسلّمات الجاهزة و الخزعبلات التعريبية,