حسن كجوط ـ الرباط
إذا كان من الصعب تعريف أحيدوس لدى قبائل أيت عطا بوصفه رقصة أو فنا شعبيا، فإن الأصعب هو إدراك مكانته الحقيقية داخل المجتمع، أحيدوس، في الوعي الجماعي لأيت عطا، ليس نشاطا ترفيهيا يمارس في المناسبات، بل هو حاجة اجتماعية وثقافية تكاد تضاهي الماء والهواء في أهميتها، لذلك، ما إن يرتفع صوت لعريف معلنا انطلاق “تكزيمت” حتى يترك الناس ما بأيديهم، ويتجهون نحو أمسيرار؛ ذلك الفضاء الذي يحتضن أحيدوس، حيث يلتقي الجميع كبارا وصغارا، رجالا ونساء، ليس فقط لمتابعة الفرجة، وإنما للمشاركة في حدث جماعي يعيد للمجتمع توازنه ويجدد روابطه الداخلية،
أما الشعراء وفرق أحيدوس، فقد كانوا يقطعون عشرات الكيلومترات مشيا على الأقدام لحضور الأعراس والمواسم، لا طمعا في مقابل مادي، وإنما رغبة في المشاركة في أحيدوس، لأن عدم إتاحة الفرصة لهم للإنشاد كان يعد خسارة معنوية كبيرة، حتى إن الرواة يتحدثون عن شعراء كانوا يكادون يفقدون صوابهم إذا حرموا من الأداء، بل إن بعضهم كان يعبر عن غضبه بإيذاء نفسه من شدة تعلقه بهذا الفن، وتتناقل الذاكرة المحلية إلى اليوم قصة رجل من قرية “وكليم نواحي تنغير” رفض الهجرة إلى فرنسا (أيام موغا)، في زمن كانت الهجرة حلما لكثير من الشباب، لأنه لم يستطع تصور حياة بعيدة عن أحيدوس، في مكان لا يسمع فيه صوت لعريف ولا يسمع لضجيج أمسيرار.
أحيدوس ليس فضاءا للفرجة فحسب، بل كان ملاذا يقصده الناس بحثا عن حلول لمختلف شؤون حياتهم، فالشباب والفتيات الراغبون في الزواج كانوا يجدون فيه المجال الطبيعي للتعارف وفق الأعراف القبلية، كما كانت المطلقات و الفتيات يؤدين طقوس الفال طلبا للتوفيق في الزواج، ومن أشهرها أن تحمل الفتاة ثلاث حصيات صغيرة وترميها نحو صف أحيدوس وهي تردد: “لفال ن ربي د وينون أيايت أحيدوس، تحلا تينو تخا تينون.” أي: “فال الله وفالكم يا أهل أحيدوس، إن كانت قسمتي جميلة فهي لي، وإن كانت غير ذلك فهي لكم،“ وبعد ذلك يرتجل لعريف قصيدة “تيكي”، و هي نوع شعري يلي تكزيمت، يستشف منها الحاضرون بشائر الخير أو إشارات المستقبل وفق المعتقد الشعبي، ولم يقتصر اللجوء إلى أحيدوس على الراغبين في الزواج، بل كان المريض، وصاحب الهم، ومن أثقلته الخلافات الاجتماعية، يلتمسون فيه الفأل الحسن، أو يعرضون قضاياهم على لعريف الذي يعالجها بالكلمة الشعرية، فيوجه النصيحة، ويصلح بين المتخاصمين، ويخفف عن أصحاب المحن بلغة رمزية يفهمها الجميع، فيتحول الشعر إلى وسيلة للإرشاد والإصلاح الاجتماعي.
و من هنا يمكن فهم أحيدوس باعتباره مدرسة شعبية متكاملة، قبل أن يكون فنا أدائيا، ففي أمسيرار كانت تنتقل الأخبار بين القبائل، وتروى الوقائع التاريخية، وتتناقل الأشعار والحكم، ويتعرف الشباب على أعراف القبيلة وقوانينها غير المكتوبة، ويتعلمون البلاغة، وفنون الخطاب، والانضباط الجماعي، واحترام الآخر، وقيم الشجاعة والكرم والتضامن، وكان لعريف يؤدي وظيفة الإعلامي، والمؤرخ، والمربي، والقاضي الرمزي في آن واحد، بينما تحولت القصيدة المرتجلة إلى أرشيف حي يوثق أحداث المجتمع ويحفظ ذاكرته، ولذلك، فإن الحديث عن أحيدوس عند أيت عطا لا ينبغي أن ينحصر في كونه رقصة جماعية أو تراثا فنيا، بل ينبغي النظر إليه باعتباره مؤسسة اجتماعية وثقافية متكاملة شكلت، عبر قرون طويلة، أحد أهم مرتكزات الحياة اليومية، ورافعة لبناء الإنسان الأمازيغي، وحفظ هويته، وتنظيم علاقاته، وصيانة ذاكرته الجماعية.