حسن كجوط ـ صحفي، من ايت خباش المحاميد الغزلان
رمال مرزوكة… حين تصطدم الذاكرة بالتحفيظ
لفهم العلاقة الاستثنائية التي تجمع قبيلة أيت خباش بالأرض، لا بد من العودة إلى صفحات طويلة من تاريخ الجنوب الشرقي “أسامر”، حيث ارتبطت هذه القبيلة بمجال جغرافي واسع، امتد عبر قرون، من تافيلالت الى تبلبالت وتوات وتينميمون وتدكلت وحمادة كير، أي جزء كبير من الصحراء الشرقي، وقد شكلت هذه المجالات فضاء للرعي “إكدالن/Igwdalen” والترحال والاستقرار، قبل أن تعيد الحدود التي رسمها الاستعمار الفرنسي تشكيل الخريطة السياسية للمنطقة، فتفصل القبيلة عن جزء مهم من امتدادها التاريخي.

وتحتفظ الذاكرة الجماعية لأيت عطا، خاصة قبيلة أيت خباش، برواية مفادها أن القبيلة فقدت جزءاً كبيراً من مجالها الترابي بعد الاحتلال الفرنسي وإعادة ترسيم الحدود، ثم بعد اتفاقية ترسيم الحدود المغربية الجزائرية سنة 1972، التي أصبحت بموجبها مناطق تاريخية كانت ترتبط بحياة القبيلة، مثل تبلبالت وتوات وتينميمون وتدكلت وحمادة كير، ضمن التراب الجزائري الحالي، وبغض النظر عن التحولات السياسية التي عرفتها المنطقة، فإن هذه المجالات ما تزال حاضرة بقوة في الذاكرة الجماعية لأبناء القبيلة، باعتبارها جزءا من تاريخها ومجالها.
ولم تكن تلك الأراضي مجرد فضاءات للرعي أو الترحال، بل كانت ميدانا لمقاومة شرسة ضد التوسع الاستعماري الفرنسي منذ مطلع القرن العشرين، فقد خاضت أيت خباش عشرات المعارك دفاعا عن الأرض والكرامة، سواء داخل امتدادها التاريخي بالصحراء الشرقية أو داخل المجال المغربي الحالي، وسقط في تلك المواجهات عدد كبير من الشهداء الذين ما تزال أسماؤهم وتضحياتهم حاضرة في الذاكرة المحلية¹.
لهذا، لا ينظر أبناء أيت خباش إلى الأرض باعتبارها مجرد ملك عقاري، بل باعتبارها إرثا تاريخيا سقي بدماء الأجداد، ورمزا للهوية والانتماء، فالأرض، في الثقافة الجماعية للقبيلة، ليست مجرد رمال أو حدود مرسومة على الخرائط، وإنما سجل حي لتضحيات أجيال متعاقبة حافظت عليها في أحلك الظروف.
تعد أيت خباش من القبائل الأمازيغية العريقة المنتمية إلى خمس أيت أونيكي، أحد أخماس كونفدرالية أيت عطا الكبرى، وتتألف من عدة فروع، أبرزها أيت عمر، وأيت تغلا، وإزولاين، وإرجدالن، وإلحيان وينتشر أبناؤها في صاغرو، ودادس، ومسمرير، والرتبات، وأوفوس، وبودنيب، وأرفود، والريصاني، ومرزوكة، والطاوس، وسيدي علي، وتافراوت، مع وجود محدود في المحاميد وتاكونيت ومصيصي…
وقد عرفت هذه القبيلة عبر تاريخها الطويل بتمسكها بأرضها، لكنها عرفت أيضا بسلميتها في علاقتها مع القبائل المجاورة، فلم يكن الدفاع عن الأرض عندها وسيلة للاعتداء على الآخرين أو التوسع على حسابهم، وإنما كان دائما دفاعا عن المجال التاريخي والحقوق الموروثة، ولذلك لم تعرف أيت خباش بنزاعاتها مع جيرانها، بل اشتهرت بقيم التضامن والتآزر والإخاء، وبحفاظها على الأعراف القبلية التي تنظم العلاقة بين مختلف القبائل.
كما أن علاقتها بالدولة المغربية لم تكن قائمة على المواجهة، بل إن أبناء القبيلة ساهموا في بناء مؤسسات الدولة الحديثة، وبرز منهم أطر ومسؤولون في مختلف القطاعات، إلى جانب مستثمرين ساهموا في تنمية القطاع السياحي بمرزوكة وتافيلالت ثم ورزاوات ومراكش، وأسهموا في التعريف بالمؤهلات الطبيعية والثقافية للبلاد.

غير أن هذا الانخراط في التنمية لم يغير نظرة القبيلة إلى الأرض، باعتبارها أساس الهوية والوجود، فالأرض عند أيت خباش ليست سلعة قابلة للبيع أو التفويت، وإنما إرث جماعي لا يجوز التفريط فيه، ولهذا ظل أبناء القبيلة يرفضون كل ما يرونه مساسا بحقوقهم التاريخية، سواء تعلق الأمر بالرعي أو بالاستغلال أو بالتحفيظ العقاري.
وقد أعادت قضية تحديد وتحفيظ الملك المسمى “رمال مرزوكة” هذا الارتباط التاريخي إلى الواجهة، بعدما خرج أبناء القبيلة في وقفات ومسيرات احتجاجية، معتبرين أن هذه الرمال ليست مجرد كثبان صحراوية تتلاعب بها الرياح، بل هي جزء من مجالهم التاريخي الذي ارتبط بحياتهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية عبر أجيال متعاقبة.
ويؤكد المحتجون أن اعتراضهم لا يستهدف التنمية ولا الاستثمار، بل يهدف إلى ضمان احترام حقوق الجماعات السلالية وإشراك ذوي الحقوق في كل مشروع يهم أراضيهم، فالتنمية، في نظرهم، لا يمكن أن تنجح إذا قامت على تهميش الساكنة الأصلية أو تجاهل ذاكرتها الجماعية.
وفي هذا السياق، يطالب أبناء القبيلة بتطبيق القوانين المنظمة للأراضي السلالية بما يحقق العدالة والإنصاف، باعتبار أن الدولة تضطلع بدور الوصاية على هذه الأراضي بما يحفظ حقوق الجماعات السلالية، وليس بما يؤدي إلى إضعاف ارتباطها التاريخي بها.
لقد عاشت أيت خباش قرونا وهي تحرس مجالها وتدافع عنه، ولم تكن الأرض بالنسبة إليها مجرد وسيلة للعيش، بل كانت عنوانا للكرامة والحرية والاستقلال، ولذلك فإن الحساسية التي يبديها أبناء القبيلة اليوم تجاه كل ما يتعلق بأراضيهم ليست موقفا ظرفيا، وإنما امتداد لمسار تاريخي طويل تشكل عبر المقاومة والتضحيات والارتباط العميق بالمجال.
إن أيت خباش لا تطلب امتيازا خاصا، ولا تطالب بأرض غيرها، وإنما تدافع عن أرض تعتبرها جزءا من تاريخها وهويتها وذاكرتها الجماعية، ومن ثم، فإن أي معالجة لهذا الملف لا يمكن أن تنجح إلا إذا استحضرت هذا البعد التاريخي والإنساني، وجعلت الحوار واحترام الحقوق التاريخية أساسا لأي حل مستقبلي.
—————————————————————————
هوامش
¹ أهم معارك قبيلة أيت خباش في مواجهة القوات الفرنسية
أولاً: المعارك التي دارت في الامتداد التاريخي للقبيلة بالصحراء الشرقية
- معركة تين ميمون (واحة تيقورارين) – 18 فبراير 1900.
- معركة تين إخيباض (توات) – 2 و3 مارس 1900.
- معركة إقشوان (المنقار) بين بلعباس وتبلبالة – يوليوز 1900.
- معركة خنك الأثل قرب المنقار – 2 شتنبر 1900.
- معركة تيمي (توات) – 5 شتنبر 1900.
- معركة الحديبات بناحية تبلبالة – 1905.
- معركة أشوراي جنوب تندوف – 1907.
- معركة مقسم حلابة جنوب بشار – 1907.
ثانياً: المعارك التي دارت داخل المجال المغربي الحالي
- معركة الخنك – 1900.
- معركة بودنيب الأولى – 1907.
- معركة بودنيب الثانية – 1908.
- معركة المنابهة بين بودنيب وعين الشعير – شتنبر 1908.
- معركة الرجل قرب مسكي – 9 يوليوز 1916.
- معركة ميزران شرق أرفود – 16 نونبر 1916.
- معركة البطحاء بسفالات تافيلالت – 9 غشت 1918.
- معركة تغمرت بتافيلالت – 15 أكتوبر 1918.
- معركة الكمكمية برأس العرك – 1929.
- معركة أنكام جنوب زاكورة – 5 مارس 1932.
- معركة أسكجور جنوب زاكورة– 1932.
- مشاركة قبيلة أيت خباش، إلى جانب باقي قبائل أيت عطا، في معركة بوكافر سنة 1933، التي تعد من أبرز محطات المقاومة المغربية ضد الاستعمار الفرنسي.