الزليج المغربي.. ذاكرة أمازيغية تنبض في فن خالد
حسن كجوط ـ وارزازات
يعد الزليج المغربي واحدا من أبرز الفنون التقليدية التي تعكس عمق الهوية الثقافية للمغرب، حيث يتجاوز كونه مجرد عنصر زخرفي ليغدو تعبيرا بصريا عن تاريخ طويل من التفاعل الحضاري، وبينما ينسب هذا الفن غالبا إلى العمارة الإسلامية عند المؤرخين، غير أن الحقيقة، هي أن جذوره الضاربة في التاريخ تكشف ارتباطا وثيقا بالثقافة الأمازيغية التي شكلت أحد أهم روافده الأساسية.
امتداد تاريخي ضارب في القدم
ظهر الزليج في المغرب منذ قرون، وتطور بشكل لافت خلال فترات مختلفة، خصوصا في المدن العتيقة التي احتضنت الحرفيين المهرة. غير أن أنماطه الهندسية المتكررة تعود في أصلها إلى رموز بصرية عرفتها المجتمعات الأمازيغية منذ عصور ما قبل الإسلام، حيث كانت الأشكال الهندسية حاضرة بقوة في الزخارف المرتبطة بالحياة اليومية، من الأواني الفخارية إلى النقوش الجدارية.
الهندسة كلغة مشتركة
تعتمد الزخرفة في الزليج على أشكال هندسية دقيقة، مثل النجوم متعددة الأضلاع والتكرارات المتناظرة، وهي نفس الروح التي تميز الزخرفة الأمازيغية التقليدية، هذه الهندسة لم تكن مجرد اختيار جمالي، بل لغة رمزية تعكس مفاهيم التوازن والانسجام مع الطبيعة، وهي قيم متجذرة في الثقافة الأمازيغية.
كما أن اعتماد الزليج على التكرار والتناظر يوازي ما نجده في الزخارف الأمازيغية المنسوجة في الزرابي والألبسة، حيث تتحول الأشكال إلى حكايات صامتة تنقل معاني الانتماء والهوية.
الحرفي.. امتداد لذاكرة جماعية
لا يمكن الحديث عن الزليج دون التوقف عند “المعلم” الذي يتقن هذا الفن، إذ تعتمد صناعته على مهارات تقليدية متوارثة عبر الأجيال. وغالبا ما تنحدر هذه الخبرات من بيئات قروية وجبلية ذات امتداد أمازيغي، حيث ظل الحرفيون يحافظون على تقنيات دقيقة في التقطيع والتركيب، دون الاعتماد على أدوات حديثة.
هذا الامتداد البشري يعكس استمرارية الثقافة الأمازيغية داخل الحرف التقليدية، ويجعل من الزليج ليس فقط فنا عمرانيا، بل أيضا ذاكرة حية تنتقل من جيل إلى آخر.
تلاقح حضاري لا يلغي الأصل
رغم التأثيرات الأفريقية و الأوروبية التي ساهمت في تطوير الزليج وإغنائه، فإن هذا الفن ظل يحتفظ بخصوصيته المحلية، فالمغرب، بحكم موقعه وتاريخه، عرف تداخلا حضاريا أغنى مكوناته الثقافية، دون أن يمحو جذوره الأمازيغية.
هوية متجددة في زمن العولمة
اليوم، يحظى الزليج المغربي بإقبال واسع داخل المغرب وخارجه، سواء في العمارة التقليدية أو الحديثة. غير أن الحفاظ عليه يقتضي الوعي بقيمته الثقافية، باعتباره جزءا من التراث غير المادي الذي يجسد امتدادا للهوية الأمازيغية ضمن المشهد الثقافي المغربي العام.
إن الزليج ليس مجرد بلاطات ملونة، بل هو لغة بصرية تختزل تاريخا من الفن و الإبداع، وتؤكد أن الهوية الأمازيغية، قادرة على الاستمرار والتجدد دون أن تفقد جذورها رغم الكمس و التهميش الذي يطالها عبر سنين.