تنزيل الدستور وعقلنة الأداء العمومي بالمغرب: دراسة أكاديمية بجامعة الحسن الأول تفتح مسارات جديدة للحكامة
شهد رحاب كلية العلوم القانونية والسياسية التابعة لجامعة الحسن الأول بسطات، مناقشة علمية رفيعة المستوى لأطروحة دكتوراه متميزة في القانون العام والعلوم السياسية، تقدمت بها الطالبة الباحثة يحجبوها ماء العينين، تحت عنوان: “السياسات العمومية بالمغرب: من الدسترة إلى حكامة الأداء”. وتأتي هذه الدراسة الأكاديمية لتفتح مسارات جديدة للحكامة وتساهم في تنزيل الدستور وعقلنة الأداء العمومي بالمملكة المغربية.
وقد توجت أعمال هذا البحث الرصين بنيل الباحثة شهادة الدكتوراه بتقدير *”مشرف جداً” مع تنويه اللجنة بالعمل والتوصية بنشره*، وسط إشادة واسعة من أعضاء لجنة المناقشة الذين عبروا عن تقديرهم للقيمة العلمية المضافة للبحث وعمقه الأكاديمي، ورؤيته الاستشرافية التي تواكب الإصلاحات الهيكلية والدينامية التنموية التي تشهدها البلاد في مسارها نحو ترسيخ دولة المؤسسات.
وتميزت الأطروحة بتبني مقاربة علمية رصينة ومناهج متعددة الأبعاد، شملت الجوانب التاريخية والنسقية والمؤسساتية لتتبع التطور الإيجابي والتراكم التدريجي الذي عرفه الفعل العمومي بالمغرب. وقد نجحت الباحثة في رصد المحطات التاريخية والمكتسبات الهامة التي حققتها المملكة عبر عقود من البناء والتحديث، مستعرضة كيف انتقل المغرب بنجاح من مرحلة التوازنات المالية الصعبة التي فرضتها ظروف التقويم الهيكلي في ثمانينيات القرن الماضي، إلى مرحلة جعل التنمية البشرية والاجتماعية في صلب مشروعية الفعل العمومي، وهو ما تجلى بوضوح في تجربة التناوب التوافقي، ثم تكرس بقوة مع إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية كفلسفة ملكية رائدة أسست لمقاربة تشاركية مندمجة.
وتوقفت الأطروحة بكثير من التحليل عند “ثورة دستور 2011″، معتبرة إياها محطة حاسمة مأست للسياسات العمومية، ونقلت مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة من مجرد شعارات سياسية وإدارية إلى التزامات دستورية ثابتة تضمنها الباب الثاني عشر من الوثيقة الدستورية، مع إبراز الأدوار الهامة والداعمة التي أصبحت تقوم بها المؤسسات الوطنية والهيئات الدستورية كالمجلس الأعلى للحسابات، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، في مواكبة وتقييم الفعل العمومي بمهنية واستقلالية.

كما أبرزت الباحثة في دراستها كيف تمكن المغرب من قطع خطوات جبارة في مأسسة ممارسة التقييم البرلماني للسياسات العمومية كآلية دستورية وسياسية واعدة، تفتح آفاقاً رحبة لإنتاج معارف دقيقة حول الفعل العمومي وعقلنة الاختيارات والقرارات التنموية وتوجيهها نحو تحقيق الأثر الإيجابي في حياة المواطنين. ونوه البحث بالتجارب الأولى لمجلسي النواب والمستشارين في تفعيل الجلسات السنوية المخصصة لمناقشة وتقييم البرامج التنموية الحيوية، واصفاً إياها بالممارسة الديمقراطية الراقية التي تكرس دور المؤسسة التشريعية وتفتح المجال أمام حوار مؤسساتي بناء يخدم الصالح العام.
ولم تقف الأطروحة عند حدود التشخيص وتثمين المكتسبات، بل صاغت الباحثة رؤية عملية متكاملة وخارطة طريق واضحة المعالم، تطرح من خلالها ثماني توصيات هادفة لترقية الفعل العمومي وتحسين نجاعته وأثره المباشر. وتتجلى التوصية الأولى في تعزيز تفعيل المقتضيات الدستورية المتعلقة بالحكامة عبر تسريع إخراج كافة النصوص التنظيمية المرافقة وتقوية إلزامية ربط المسؤولية بالمحاسبة عملياً. وتدعو التوصية الثانية إلى إرساء نظام مؤسساتي وطني لتقييم السياسات العمومية من خلال إحداث هيئة وطنية مستقلة تعتمد مؤشرات أداء موحدة وملزمة. أما التوصية الثالثة فتركز على تعزيز التنسيق والالتقائية بين الفاعلين العموميين وتقوية آليات التنسيق الأفقي والعمودي.
وفي ذات السياق، تطالب التوصية الرابعة بتحديث الإدارة العمومية وترسيخ ثقافة الأداء بالانتقال الفعلي نحو التدبير بالأهداف والنتائج. وتأتي التوصية الخامسة لتحث على تسريع التحول الرقمي كرافعة للحكامة الجيدة وتعميم الإدارة الرقمية الشاملة. بينما تقترح التوصية السادسة تعزيز دور البرلمان والمجتمع المدني في التقييم والمراقبة بتمكين المؤسسة التشريعية من أدوات علمية وإشراك المجتمع المدني كفاعل أساسي. وتشدد التوصية السابعة على تحسين جودة البيانات ودعم القرار العمومي بتطوير نظام وطني موحد للمعلومات الإحصائية. وتختتم التوصيات بالدعوة إلى إرساء مقاربة ميزانياتية مندمجة مبنية على النتائج، بربط التمويل بمدى تحقيق الأهداف والمؤشرات المحددة سلفا.
وقد خلصت الأطروحة في خاتمتها القيمة إلى أن المغرب يملك اليوم بيئة دستورية ومؤسساتية غنية ومشجعة للغاية، وأن الانتقال الفعلي والمستمر نحو مستويات متقدمة من حكامة الأداء سيمكن من بلورة سياسات عمومية أكثر نجاعة وتأثيراً. وتعبر النتائج المتميزة التي قدمتها الطالبة الباحثة يحجبوها ماء العينين عن طموح أكاديمي جاد ومواطِن، يهدف أساسا إلى ترسيخ الثقة بين المواطن والمؤسسات، والإسهام بفعالية في صناعة غد أفضل يضمن العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة لجميع ربوع المملكة المغربية.