امحمد بن عبد السلام — وكالة درا للانباء.

في تصعيد لافت، أعلنت الكنفدرالية المغربية لتجار السمك بالجملة تعليق عمليات البيع بالمزاد العلني بموانئ المغرب، احتجاجًا على اعتماد نظام “الدفع المسبق”. خطوةٌ تعكس حجم التوتر داخل قطاع حيوي، لكنها في العمق تكشف أزمة أعمق من مجرد خلاف تقني حول آليات الأداء.
بالنسبة للمهنيين، لم يعد الأمر يتعلق بإجراء تنظيمي عابر، بل بقرار يضغط على توازناتهم المالية الهشة. فالتاجر، الذي كان يعتمد على مرونة في تدبير السيولة، يجد نفسه اليوم ملزمًا بتأمين مبالغ مسبقة في سياق اقتصادي يتسم بارتفاع التكاليف وصعوبة الولوج إلى التمويل. النتيجة بدأت تلوح في الأفق: اضطراب في السوق، واحتمال ارتفاع الأسعار، ومستهلك قد يتحمل العبء في النهاية.
غير أن حصر الأزمة في “الدفع المسبق” وحده يُغفل جوهر الإشكال. فواقع تسويق المنتوجات البحرية بالمغرب ظل لسنوات رهين شبكة معقدة من الوسطاء، حيث تتداخل المصالح وتضعف آليات الشفافية، ما يجعل الأسعار عرضة للمضاربة بعيدًا عن منطق العرض والطلب الحقيقيين.
من الميناء إلى نقطة البيع، تمر السمكة عبر حلقات متعددة، وكل حلقة تضيف كلفة جديدة، فيتحول منتوج بحري متوفر إلى سلعة مرتفعة الثمن داخل السوق المحلية. وهو ما يطرح مفارقة صارخة: بلد غني بثروته السمكية، لكنه عاجز عن ضمان أسعار مستقرة لمواطنيه.
كما أن تكرار مثل هذه الأزمات يكشف خللًا في منهجية اتخاذ القرار، حيث تغيب المقاربة التشاركية، ويُستبعد الفاعلون المباشرون من صياغة الحلول، فتأتي الإجراءات في كثير من الأحيان منفصلة عن واقع السوق، لتولد ردود فعل رافضة بدل أن تحقق التوازن المطلوب.
ما يجري اليوم يتجاوز كونه احتجاجًا ظرفيًا؛ إنه مؤشر على أزمة حكامة حقيقية داخل القطاع. أزمة تفرض إعادة نظر شاملة، تنطلق من:
ترسيخ الشفافية في مسارات التسويق
الحد من تضخم دور الوسطاء
إشراك المهنيين في بلورة القرارات
جعل حماية القدرة الشرائية في صلب السياسات
الرهان لم يعد فقط على إنهاء المقاطعة، بل على إصلاح منظومة بأكملها. فبدون معالجة الجذور، ستظل الأزمات تتكرر، وسيبقى المواطن الحلقة الأضعف في معادلة مختلة، يدفع ثمن اختلالات لا يملك فيها قرارًا.