امحمد بن عبد السلام +–+ وكالة درا للانباء .

حذر تقرير صادر عن «معهد كربون» من التداعيات الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة لتغير المناخ في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مشيراً إلى أن المنطقة قد تخسر ما بين 6 و14 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي بحلول سنة 2050، في حال ارتفعت درجات الحرارة العالمية بمقدار درجتين مئويتين.
وأوضح التقرير أن تداعيات الاحترار لم تعد تقتصر على الجانب البيئي، بل باتت تمثل تحدياً مباشراً للنمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي، في ظل تفاقم شح المياه، وتراجع الإنتاج الزراعي، وارتفاع الضغط على البنية التحتية والمالية العمومية، إلى جانب تنامي مخاطر النزوح نحو المدن.
وبحسب المعطيات الواردة في التقرير، ترتفع درجات الحرارة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمعدل 0.46 درجة مئوية كل عقد منذ سنة 1980، أي بأكثر من ضعف المعدل العالمي، فيما سجلت سنة 2024 أعلى درجات الحرارة في تاريخ المنطقة.
وتبرز حدة المخاطر المناخية في عدد من دول المنطقة، حيث تجاوزت درجات الحرارة في مناطق من العراق 50 درجة مئوية لفترات متواصلة، الأمر الذي يضع الأنظمة الحيوية والبنيات التحتية أمام ضغوط متزايدة.
وفي موازاة ذلك، تواجه المنطقة أزمة مائية حادة، إذ تضم نحو 6 في المائة من سكان العالم، مقابل امتلاكها ما بين 1 و2 في المائة فقط من موارد المياه العذبة العالمية. كما يصنف التقرير 16 دولة من أصل 25 دولة في المنطقة ضمن البلدان الأكثر معاناة من شح المياه عالمياً، بينما يعتمد نحو 30 في المائة من استهلاك المياه حالياً على مصادر غير مستدامة.
ولا تقتصر تداعيات شح المياه على الموارد الطبيعية، إذ يؤدي استمرار الجفاف إلى تراجع الإنتاج الزراعي وارتفاع كلفة استيراد المواد الغذائية، بما يزيد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وقد يدفع سكان المناطق المتضررة إلى النزوح نحو المدن بحثاً عن ظروف أفضل للعيش.
ويستحضر التقرير الحالة السورية باعتبارها مثالاً على تداخل الضغوط المناخية مع عوامل أخرى في زيادة الضغط على المناطق الحضرية، مؤكداً أن آثار تغير المناخ يمكن أن تتفاقم في المجتمعات التي تعاني أصلاً من هشاشة اقتصادية واجتماعية.
كما تواجه دول المنطقة تحديات إضافية بسبب محدودية مواردها المالية وارتفاع مستويات الدين، خصوصاً في بلدان مثل مصر ولبنان والأردن، ما يقلص قدرتها على تمويل مشاريع التكيف مع التغير المناخي، في وقت تزداد فيه الحاجة إلى استثمارات ضخمة في قطاعات المياه والزراعة والبنية التحتية.
ولا يقتصر الخطر المناخي على موجات الحر والجفاف، بل يمتد أيضاً إلى الفيضانات المفاجئة التي قد تتحول إلى كوارث بفعل هشاشة البنية التحتية. ويستحضر التقرير كارثة مدينة درنة الليبية، التي أظهرت حجم المخاطر الناجمة عن تضافر الأمطار الغزيرة مع ضعف البنية التحتية وصعوبة امتصاص التربة الجافة لكميات المياه المتدفقة في وقت وجيز.
وأمام هذه التحديات، يدعو «معهد كربون» إلى إعادة النظر في السياسات المعتمدة، وجعل التكيف مع تغير المناخ جزءاً أساسياً من التخطيط الاقتصادي، مع الانتقال من التدخل بعد وقوع الكوارث إلى الاستثمار المسبق في البنية التحتية والقدرة على الصمود.
ويخلص التقرير إلى أن تغير المناخ لم يعد قضية بيئية منفصلة، بل أصبح مرتبطاً بشكل مباشر بحماية النمو الاقتصادي والأمن الغذائي والمائي والاستقرار الاجتماعي في منطقة تعد من أكثر مناطق العالم تعرضاً لتداعيات ارتفاع درجات الحرارة وشح الموارد.
ويذكر أن «معهد كربون» مجموعة تفكير مستقلة تأسست سنة 2025، وتركز أبحاثها على السياسات المناخية والطاقية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.