امحمد بن عبد السلام — وكالة درا للانباء.

الجراد الصحراوي بالمغرب.. التغيرات المناخية تعيد إحياء المخاوف البيئية والزراعية
تشهد عدد من المناطق الجنوبية والجنوبية الشرقية بالمغرب، لاسيما الرشيدية وألنيف بإقليم تنغير، خلال الآونة الأخيرة، انتشار أسراب من الجراد الصحراوي، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة المخاوف المرتبطة بتداعيات هذه الظاهرة على المنظومة الزراعية والواحات، باعتبارها مورداً اقتصادياً وبيئياً حيوياً لسكان هذه المناطق.
وفي هذا الإطار، أكد المصطفى العيسات، مدير مركز سنيفكو للدراسات الاستراتيجية والتنموية وخبير البيئة والتنمية المستدامة والمناخ، أن عودة الجراد الصحراوي إلى عدد من المناطق المغربية ترتبط بشكل وثيق بالتحولات المناخية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، والتي ساهمت في تهيئة ظروف بيئية ملائمة لتكاثر هذه الآفة وانتشارها.
وأوضح العيسات أن التقلبات المناخية الحادة، وما رافقها من تساقطات مطرية غير اعتيادية بعد فترات طويلة من الجفاف، وفرت الرطوبة الضرورية لتكاثر الجراد ووضع البيض، كما ساهمت في تسريع دورة نموه البيولوجية، ما أدى إلى ارتفاع أعداده وانتشاره على نطاق أوسع.
وأضاف أن أسباب انتشار الجراد لا ترتبط فقط بالعوامل المناخية المحلية، بل تتداخل معها عوامل إقليمية مرتبطة بالأمطار العاصفية والرياح القوية التي تساعد على انتقال الأسراب لمسافات طويلة، انطلاقاً من مناطق التكاثر التقليدية في عمق الصحراء ودول الساحل الإفريقي، وصولاً إلى الأراضي المغربية بحكم موقع المملكة الجغرافي.
وفي سياق متصل، حذر الخبير البيئي من خطورة الجراد الصحراوي باعتباره من أخطر الآفات المهاجرة في العالم، مشيراً إلى أن السرب الواحد الذي يغطي مساحة كيلومتر مربع قد يضم ما يقارب 80 مليون جرادة، قادرة على استهلاك كميات هائلة من الغطاء النباتي والمحاصيل الزراعية في فترة زمنية قصيرة.
وأكد أن تداعيات هذه الظاهرة لا تقتصر على المحاصيل الموسمية فقط، بل تمتد لتشمل الواحات وأشجار النخيل التي تشكل دعامة أساسية للاقتصاد المحلي بالمناطق الجنوبية، فضلاً عن دورها الحيوي في مكافحة التصحر والحفاظ على التوازنات البيئية والإيكولوجية.
وفي مواجهة هذه التحديات، أبرز العيسات أن السلطات المغربية سارعت إلى تفعيل خطة طوارئ وطنية تقوم على الرصد المبكر والتدخل السريع للحد من انتشار الأسراب قبل تفاقم الوضع، معتمدة في ذلك على مقاربة وقائية تعتبر الأكثر فعالية في التصدي لهذه الآفة.
وأشار إلى أن المركز الوطني لمكافحة الجراد، بتنسيق مع المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، عبأ فرقاً ميدانية متخصصة تعمل بشكل متواصل لرصد تحركات الجراد والتدخل بالمناطق المتضررة، سواء عبر المعالجات الأرضية أو التدخلات الجوية بالمناطق الوعرة وصعبة الوصول.
كما أوضح أن عمليات المكافحة التي نُفذت خلال الفترة الأخيرة شملت مساحات واسعة من الأراضي التي سجلت انتشاراً للجراد، وذلك في إطار الجهود الرامية إلى احتواء الظاهرة ومنع توسعها نحو مناطق جديدة.
ومن جانب آخر، شدد العيسات على أن مواجهة الجراد الصحراوي لا تقتصر على التدخل داخل الحدود الوطنية فحسب، بل تعتمد كذلك على تعزيز التعاون الإقليمي مع الدول المعنية بمناطق تكاثر هذه الآفة، من خلال مبادرات تنسيقية تهدف إلى مكافحة الجراد في منابعه قبل وصوله إلى المغرب.
وأكد المتحدث أن الجراد الصحراوي يظل ظاهرة عابرة للحدود تتطلب تنسيقاً إقليمياً ودولياً مستمراً، خاصة في ظل تنامي تأثيرات التغير المناخي وما تفرزه من ظروف بيئية مواتية لتكاثر الحشرات وانتشارها.
وختم العيسات تصريحه بالتأكيد على أن تعزيز اليقظة البيئية، وتطوير آليات الرصد المبكر، وتقوية التعاون بين مختلف المتدخلين، تشكل رهانات أساسية للحد من تداعيات هذه الظاهرة وحماية المحاصيل الزراعية والواحات من الأضرار المحتملة التي قد تخلفها أسراب الجراد الصحراوي.