
حسن كجوط ـ الرباط
اختيار البروفيسورة المغربية ضمن دائرة التميز بجامعة كيبيك اعتراف بمسار علمي يجمع بين التكوين الهندسي والبحث الأكاديمي وتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي
في إنجاز أكاديمي جديد يعكس الحضور المتنامي للكفاءات المغربية في الجامعات ومراكز البحث الدولية، جرى اختيار البروفيسورة المغربية لبنى بنعبو للانضمام إلى “دائرة التميز” بجامعة كيبيك في كندا، تقديرا لمسارها العلمي وإسهاماتها في البحث والابتكار، ولا سيما في مجال توظيف الذكاء الاصطناعي لتحسين تدبير سلاسل الإمداد ودعم اتخاذ القرار.
ويأتي هذا التكريم، الذي أعلنت عنه جامعة كيبيك في ريموسكي يوم 9 أكتوبر 2026، ليبرز أهمية الأبحاث التي تربط المعرفة العلمية بالتحديات العملية التي تواجه المؤسسات والقطاعات الاقتصادية، كما يسلط الضوء على تجربة أكاديمية مغربية استطاعت أن تجمع بين التكوين الهندسي والخبرة المهنية والبحث العلمي في بيئة جامعية دولية.
من القنيطرة إلى فضاء البحث العلمي الدولي
تنحدر لبنى بنعبو من مدينة القنيطرة، حيث قضت سنوات طفولتها ودراستها الأولى، قبل أن تنتقل إلى مسار أكاديمي قادها إلى طنجة، ثم الرباط، حيث التحقت بالمدرسة المحمدية للمهندسين، وتخرجت منها مهندسة في الهندسة الصناعية سنة 1998.
وقد شكل هذا التكوين قاعدة علمية ومهنية مهدت لها الانخراط في مجالات تجمع بين الهندسة والتدبير والتحليل الكمي، وبعد خوض تجارب مهنية في القطاع المالي بالمغرب، اتجهت إلى مواصلة دراستها العليا بجامعة لافال في كندا، حيث حصلت على ماجستير في إدارة الأعمال ودكتوراه في التعلم الآلي وعلوم القرار.
ولم يكن هذا المسار مجرد انتقال من مؤسسة جامعية إلى أخرى، بل مثل توسعا في مجال الاهتمام العلمي، من الهندسة الصناعية إلى البحث في كيفية الاستفادة من البيانات والنماذج الرياضية والخوارزميات الذكية لتطوير أساليب اتخاذ القرار ومعالجة المشكلات المعقدة.
تجربة أكاديمية تجمع بين المغرب وكندا
بعد استكمال دراستها العليا، عادت لبنى بنعبو إلى المغرب، حيث بدأت مسيرتها الأكاديمية سنة 2009، واشتغلت بالتدريس في المدرسة الوطنية العليا للمعادن بالرباط، قبل أن تلتحق بالمدرسة المحمدية للمهندسين.
وخلال هذه المرحلة، ساهمت في تطوير برنامج التكوين في الهندسة الصناعية، وأشرفت على طلبة الدراسات العليا، كما شاركت في إطلاق مشاريع للبحث التطبيقي بشراكة مع القطاع الصناعي، خاصة في مجالات التدبير ورقمنة العمليات الصناعية.
وفي سنة 2018، التحقت بجامعة كيبيك في ريموسكي، حيث تواصل عملها أستاذة في علوم الإدارة بحرم ليفي، مع اهتمام متزايد بتطوير الأبحاث التي تستثمر الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي والبحث العملياتي في خدمة المؤسسات والقطاعات الإنتاجية.
وتبرز هذه التجربة أهمية التفاعل بين التكوين الأكاديمي والخبرة المهنية، إذ لا يقتصر البحث العلمي على إنتاج المعرفة النظرية، بل يمتد إلى اختبار الحلول وتطوير أدوات قابلة للتطبيق في الواقع الاقتصادي والاجتماعي.
الذكاء الاصطناعي في خدمة سلاسل الإمداد
تتولى لبنى بنعبو قيادة كرسي بحثي متخصص في الذكاء الاصطناعي من أجل تطوير سلاسل إمداد رقمية ومرنة ورشيقة ومستدامة، وهو مشروع بحثي انطلق سنة 2022 بشراكة مع عدد من الجهات، من بينها مدينة ليفي.
ويركز هذا العمل على توظيف التعلم الآلي وأساليب التحسين الرياضي ودعم القرار من أجل تطوير التخطيط والتدبير، وتعزيز قدرة المؤسسات على الاستجابة للتغيرات والمخاطر، وتحسين استخدام الموارد.
ولا تقف تطبيقات هذه الأبحاث عند حدود المختبرات والجامعات، بل تمتد إلى قضايا عملية، من قبيل تقليص فترات الانتظار في الخدمات، وتحسين حركة النقل البحري، والحد من استهلاك الوقود والانبعاثات، فضلاً عن المساهمة في اكتشاف عيوب الإنتاج الصناعي.
وتكشف هذه المجالات عن الدور الذي بات يؤديه الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل أساليب التدبير والإنتاج، ليس باعتباره تقنية منفصلة عن الواقع، بل أداة يمكن أن تساعد على اتخاذ قرارات أكثر دقة، متى استند استخدامها إلى معطيات موثوقة ومنهجيات علمية مناسبة.
تكريم يتجاوز الإنجاز الفردي
يمثل اختيار لبنى بنعبو ضمن دائرة التميز بجامعة كيبيك اعترافا بمسارها البحثي وبقدرتها على قيادة مشاريع علمية جماعية تربط الجامعة بالمؤسسات والمجتمع،كما أشادت الجامعة بدورها في تأطير الكفاءات الصاعدة وتكوين الطلبة والباحثين، من خلال إشراكهم في مشاريع بحثية تطبيقية.
وتكمن أهمية هذا الجانب في أن قيمة الباحث لا تقاس فقط بما ينجزه من دراسات أو يحصل عليه من تكريمات، بل أيضا بما يسهم به في بناء أجيال جديدة من الباحثين، ونقل المعرفة، وتطوير بيئة علمية قادرة على مواصلة الابتكار.
وفي هذا السياق، تبرز تجربة بنعبو نموذجا للتكامل بين البحث الأكاديمي والتعاون مع القطاعات المهنية، حيث تتحول الجامعة إلى فضاء لإنتاج المعرفة واختبار الحلول، فيما تتيح الشراكات الميدانية توجيه الأبحاث نحو احتياجات واقعية.
الكفاءات المغربية ورهان الاستثمار في المعرفة
تعيد مسيرة لبنى بنعبو طرح سؤال الاستفادة من الكفاءات المغربية التي تشتغل في الجامعات ومراكز البحث الدولية، في وقت أصبح فيه التنافس العالمي مرتبطًا بصورة متزايدة بالمعرفة والابتكار والقدرة على تطوير التقنيات الحديثة.
ولا يقتصر الرهان على الاحتفاء بالنجاحات الفردية، بل يشمل بناء جسور مستدامة بين الباحثين المغاربة داخل البلاد وخارجها، وتطوير الشراكات الجامعية، وتشجيع نقل الخبرات، وإتاحة فرص أوسع أمام الطلبة والباحثين للاستفادة من التجارب العلمية المتقدمة.
كما تبرز هذه التجربة أهمية الاستثمار في التكوين الهندسي والعلمي، وتوفير بيئة تساعد على البحث والابتكار، وربط الجامعة بمحيطها الاقتصادي والاجتماعي، بما يجعل المعرفة رافعة للتنمية وليس مجرد تحصيل أكاديمي.
إن اختيار البروفيسورة لبنى بنعبو ضمن دائرة التميز بجامعة كيبيك يشكل محطة بارزة في مسارها العلمي، ويقدم في الوقت نفسه مثالًا على قدرة الكفاءات المغربية على الإسهام في تطوير مجالات بحثية متقدمة، من خلال الجمع بين التكوين المتين والعمل الأكاديمي والتعاون مع المؤسسات.
وبين القنيطرة والرباط وكندا، تتواصل رحلة علمية تؤكد أن المعرفة لا تعترف بالحدود الجغرافية، وأن حضور الباحثين المغاربة في الفضاءات الجامعية الدولية يمكن أن يتحول إلى مصدر للإلهام، وإلى فرصة لتعزيز التعاون العلمي وتوسيع آفاق الابتكار والتنمية.
















