امحمد بن عبد السلام — وكالة درا للانباء.

أثار تنفيذ مسطرة الحجز على الحساب البنكي لمجلس المنافسة لدى الخزينة العامة للمملكة نقاشًا واسعًا حول مدى التزام المؤسسات العمومية والدستورية بتنفيذ الأحكام القضائية النهائية، وذلك على خلفية نزاع إداري وقانوني بين المجلس وإحدى مستشاراته السابقتين.
وتعود فصول القضية إلى سنة 2023، عندما تقدمت المعنية بالأمر، التي اشتغلت لسنوات داخل مجلس المنافسة في إطار عقود متتالية كان آخرها عقد تعيينها مستشارة سنة 2019، بطعن قضائي ضد قرار إداري قضى بتغيير وضعيتها المهنية وإعادة تعيينها في منصب آخر دون موافقتها.
وقد أصدرت المحكمة الإدارية بالرباط حكمًا يقضي بإلغاء القرار الإداري موضوع النزاع، معتبرة أنه لا ينسجم مع مقتضيات العقد الرابط بين الطرفين. غير أن تطورات الملف عرفت منحى جديدًا بعد صدور قرار بفسخ عقد المستشارة، ما دفعها إلى اللجوء مجددًا إلى القضاء للمطالبة بإلغاء القرار والحصول على تعويض عن الأضرار التي لحقت بها.
واستندت المحكمة في تعليلها إلى مقتضيات قانون الالتزامات والعقود، مؤكدة أن الالتزامات التعاقدية الملزمة للأطراف يجب احترامها وتنفيذها، وأن أي إخلال بها يترتب عنه قيام المسؤولية القانونية واستحقاق التعويض. وانتهت المسطرة القضائية إلى إصدار أحكام لفائدة المعنية بالأمر، تم تأييدها في مختلف مراحل التقاضي.
وبحسب المعطيات المتداولة، فإن عدم تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة لفائدة المستشارة السابقة دفع دفاعها إلى مباشرة إجراءات الحجز على الحساب البنكي للمجلس بهدف استخلاص التعويضات المحكوم بها، بعد استنفاد المساطر القانونية المتاحة.
وأعاد هذا الملف إلى الواجهة إشكالية تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة في مواجهة الإدارات والمؤسسات العمومية، باعتبارها من أبرز التحديات المرتبطة بتكريس دولة القانون وتعزيز الثقة في المؤسسات. كما يطرح تساؤلات بشأن حدود المسؤولية الإدارية والمالية للمسؤولين الذين تصدر عنهم قرارات تقضي المحاكم لاحقًا بعدم مشروعيتها.
كما يسلط الملف الضوء على الكلفة المالية للنزاعات الإدارية على المال العام، خاصة عندما تترتب عنها تعويضات مالية مهمة تؤدى من ميزانيات المؤسسات العمومية، وهو ما يغذي النقاش حول ضرورة تعزيز آليات الحكامة والرقابة والمساءلة داخل المرافق العمومية.
ويرى متابعون أن هذه القضية تمثل نموذجًا للنقاش المتجدد حول العلاقة بين الإدارة والقضاء، ومدى احترام مبدأ المشروعية، باعتباره أحد المرتكزات الأساسية لدولة الحق والقانون، في وقت تتواصل فيه الدعوات إلى ترسيخ ثقافة المسؤولية وربطها بالمحاسبة داخل مختلف المؤسسات العمومية.