امحمد بن عبد السلام — وكالة درا للانبا.

حين تتحول الجريمة إلى تهديد جماعي للأمن الإنساني
لم تعد بعض الجرائم التي تهز الرأي العام تُقرأ باعتبارها مجرد أفعال إجرامية معزولة ناتجة عن شجار عابر أو لحظة غضب طارئة، بل أصبحت تكشف عن مستويات مقلقة من العنف والتوحش تطرح أسئلة عميقة حول التحولات القيمية والنفسية داخل المجتمع.
وفي قضية السائق ياسين، لم تقف المأساة عند حدود إزهاق روح إنسان خرج بحثًا عن لقمة العيش وإعالة أسرته، بل إن المعطيات المتداولة حول ظروف الجريمة تعكس حجمًا صادمًا من العنف، بعدما اقترنت الجريمة ـ وفق ما يتم تداوله ـ بأعمال تنكيل وتشويه وحرق، في مشهد يتجاوز حدود الفعل الإجرامي التقليدي إلى مستوى يهدد الإحساس الجماعي بالأمن والإنسانية.
إن أكثر ما يضاعف قسوة هذه القضايا ليس فقط فقدان الضحية، بل حجم الأثر النفسي والاجتماعي الذي تتركه خلفها. فأسرة الضحية لا تواجه مجرد خبر وفاة، بل تواجه صورًا مؤلمة وصدمة ممتدة ستظل حاضرة في ذاكرة الأبناء والزوجة والأقارب لسنوات طويلة. وهنا يبرز سؤال العدالة: هل يمكن لأي عقوبة أن تعيد ما تم فقدانه؟ وهل يكفي الحكم القضائي وحده لترميم هذا الكسر الإنساني العميق؟
وتزداد خطورة هذه الجرائم حين تتحول من استهداف فرد إلى بث شعور جماعي بالخوف. فعندما يُقتل شخص بهذه الطريقة البشعة، فإن الرسالة لا تصل إلى أسرة الضحية فقط، بل تمتد إلى كل من يشتغل في ظروف مشابهة، وإلى كل مواطن يغادر منزله يوميًا بحثًا عن العمل والرزق والأمان.
ومن هذا المنطلق، عاد النقاش المجتمعي حول العقوبات الجنائية الرادعة إلى الواجهة، حيث يرى جزء واسع من الرأي العام أن الجرائم المقترنة بالقتل العمد والتعذيب والتمثيل بالجثة تستوجب أقصى العقوبات المنصوص عليها قانونًا، باعتبار أن وظيفة العدالة لا تقتصر على معاقبة الجاني فقط، بل تشمل أيضًا حماية المجتمع والحفاظ على الإحساس العام بالأمن.
وفي المقابل، يظل هذا النقاش مرتبطًا بإشكالات قانونية وحقوقية وأخلاقية معقدة، خصوصًا فيما يتعلق بعقوبة الإعدام، بين من يعتبرها ضرورة لردع الجرائم الخطيرة، ومن يرى أن تعزيز فعالية العدالة الجنائية لا يرتبط فقط بقسوة العقوبة، بل أيضًا بسرعة تنفيذ القانون وضمان عدم الإفلات من العقاب.
غير أن ما يجمع عليه الجميع هو أن المجتمع لا يبحث عن الانتقام بقدر ما يبحث عن عدالة حقيقية تنصف الضحايا، وتحمي الأبرياء، وتؤكد أن حياة الإنسان وقيمته لا يمكن أن تتحول إلى مجرد رقم ضمن سجلات الجرائم.
إن تكرار الجرائم العنيفة بهذا الشكل يفرض الحاجة إلى مقاربة شاملة لا تقتصر على الجانب الزجري فقط، بل تشمل كذلك الأبعاد التربوية والاجتماعية والنفسية، إلى جانب تعزيز الحماية المهنية للفئات الأكثر عرضة للاعتداء أثناء مزاولة عملها.
رحم الله ياسين، وألهم أسرته وذويه الصبر والقوة في مواجهة هذا المصاب الأليم، وجعل من هذه القضية لحظة مجتمعية جادة لإعادة النقاش حول الأمن والعدالة وحماية الحق في الحياة والكرامة الإنسانية.