تبييض الأموال في العقار بالمغرب: حين تتحول المشاريع الجامدة إلى قنوات لغسل الأموال
في ظل تشديد الرقابة المالية وتعزيز آليات الحكامة، عادت ظاهرة تبييض الأموال إلى واجهة النقاش العمومي في المغرب، وهذه المرة عبر بوابة القطاع العقاري، خاصة في بعض مدن الشمال. فقد كشفت معطيات حديثة عن تورط مشاريع عقارية ‘جامدة’ في عمليات مالية مشبوهة، تستغل ثغرات قانونية ومسطرية لتحويل أموال غير مشروعة إلى أصول تبدو قانونية.
العقار كملاذ آمن للأموال المشبوهة
يعتبر الاستثمار العقاري من أكثر المجالات جاذبية لعمليات تبييض الأموال، نظرا لقيمته المرتفعة وصعوبة تتبع مصادر التمويل فيه أحيانا. وفي الحالة المغربية، أظهرت التحقيقات أن بعض المنعشين العقاريين استغلوا مشاريع سكنية في طور البناء لاستقبال أموال ضخمة عبر عقود حجز أولية، حيث يقوم ‘مستثمرون’ بضخ ما يصل إلى 80% من قيمة العقار نقدا، دون المرور عبر القنوات البنكية الرسمية.
غير أن هذه المشاريع تتوقف لاحقا لسنوات دون استكمال، ما يحولها إلى “أصول جامدة” تستخدم فقط كغطاء قانوني لإخفاء مصدر الأموال، بدل أن تكون مشاريع تنموية حقيقية.
مؤشرات مقلقة تكشف الشبكات المنظمة
المعطيات التي توصلت بها الهيئات الرقابية، وعلى رأسها الهيئة الوطنية للمعلومات المالية، كشفت عن مجموعة من المؤشرات الخطيرة، من بينها:
- تكرار أسماء مودعين في حسابات شركات عقارية.
- تضخم غير مبرر في قيمة المخزون العقاري.
- اعتماد شبه كلي على الأداء النقدي بدل التمويل البنكي.
- ارتباط بعض “المشترين” بشبكات دولية، وامتلاكهم جنسيات متعددة.
هذه المؤشرات تعزز فرضية وجود شبكات منظمة تستغل العقار كوسيلة لتدوير الأموال، مستفيدة من ضعف المراقبة في بعض مراحل المعاملات.
تواطؤ محتمل وثغرات قانونية
لا تقف المسؤولية عند “المستثمرين” فقط، بل تمتد، وفق المعطيات ذاتها، إلى بعض المنعشين العقاريين الذين يشتبه في تواطئهم، عبر إنشاء مكاتب بيع صورية أو تمرير عمليات خارج الإطار البنكي. كما يطرح هذا الوضع تساؤلات حول فعالية القوانين المنظمة، خاصة في ما يتعلق بفرض الشفافية في مصادر التمويل.
ورغم وجود ترسانة قانونية، مثل القوانين المتعلقة بمحاربة غسل الأموال، إلا أن التطبيق الصارم والمراقبة الميدانية يظلان التحدي الأكبر.
دور الرقابة وتكثيف المتابعات
في مواجهة هذه الظاهرة، كثفت السلطات المختصة تحركاتها، حيث تمت إحالة عشرات الملفات على القضاء، مع تسجيل ارتفاع ملحوظ في عدد التصريحات بالاشتباه في غسل الأموال. ويعكس هذا التطور يقظة متزايدة، لكنه في الوقت نفسه يكشف عن حجم الظاهرة واتساعها.
رهانات المستقبل: نحو شفافية أكبر
إن محاربة تبييض الأموال في القطاع العقاري تتطلب:
- فرض إلزامية الأداء عبر القنوات البنكية في المعاملات الكبرى.
- تعزيز التنسيق بين الإدارة الضريبية، الأبناك، والهيئات الرقابية.
- رقمنة مساطر البيع والشراء لتتبع العمليات بشكل أدق.
- تشديد العقوبات على المتورطين، سواء كانوا أفرادا أو شركات.