103 أعوام على أنوال.. ملحمة الريف التي هزت عرش الاستعمار الإسباني
تحل الذكرى الثالثة بعد المائة لمعركة أنوال، التي اندلعت في يوليوز 1921 بمنطقة الريف، باعتبارها واحدة من أبرز المحطات في تاريخ المقاومة المغربية ضد الاستعمار. فقد شكلت تلك المواجهة منعطفًا حاسما في مسار الكفاح الوطني، ورسخت في الذاكرة الجماعية صورة انتصار غير مسبوق على قوة استعمارية كبرى خلال القرن العشرين.
قاد المقاومة الريفية آنذاك الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، الذي تمكن، بفضل تنظيم محكم واستراتيجية عسكرية مبتكرة، من إلحاق هزيمة قاسية بالجيش الإسباني في موقع أنوال. وقد سبقت المعركة الحاسمة سلسلة من المواجهات، أبرزها حصار موقع “إغريبن”، حيث اعتمد المقاومون أسلوب حرب الخنادق والتطويق، ما أربك القوات الإسبانية وأضعف خطوط إمدادها.
وتشير المصادر التاريخية إلى أن المواجهات تصاعدت بين 15 و22 يوليوز، حين حاولت القوات الإسبانية فك الحصار عن مواقعها المتقدمة. غير أن التفوق المعنوي والمعرفة الدقيقة بتضاريس المنطقة منحا الريفيين أفضلية ميدانية واضحة، لتنتهي المعركة بانهيار واسع في صفوف الجيش الإسباني ومقتل الآلاف من جنوده، في واقعة عرفت في الذاكرة الإسبانية باسم “كارثة أنوال”.
وقد مثلت هذه الهزيمة صدمة سياسية وعسكرية في إسبانيا، إذ أُجبرت الحكومة على تقديم استقالتها، واشتد الجدل الداخلي حول تدبير الحرب في شمال المغرب. كما فقد الجيش أحد أبرز قادته خلال المواجهات، ما عمق الإحساس بالإهانة داخل الأوساط العسكرية والسياسية هناك.
أما في الضفة الأخرى، فقد عزز الانتصار مكانة الخطابي، الذي أعلن لاحقًا قيام جمهورية الريف، في تجربة سياسية قصيرة العمر لكنها ذات دلالة رمزية كبيرة في مسار حركات التحرر. غير أن التحالف بين القوتين الاستعماريتين، الإسبانية والفرنسية، أنهى هذه التجربة بعد سنوات من القتال، خاصة مع لجوء قوات الاحتلال إلى استعمال أسلحة محرمة دوليا، من بينها غاز الخردل، في خطوة تركت آثارا إنسانية وصحية ما تزال محل نقاش ومطالب حقوقية إلى اليوم.
وبعد أسره ونفيه، واصل الخطابي نضاله من المنفى، ليصبح اسمه مرجعا في أدبيات التحرر الوطني عبر العالم. ولا تزال معركة أنوال تستحضر سنويا باعتبارها رمزا لقدرة الشعوب على مقاومة الهيمنة، ودليلاً على أن التفوق العسكري لا يحسم دائمًا المعارك أمام إرادة التحرر والتنظيم المحكم.
وتجدد هذه الذكرى أيضا الدعوات إلى فتح الأرشيفات المرتبطة بحرب الريف، من أجل استكمال كتابة تاريخ تلك المرحلة الدقيقة، وإلقاء مزيد من الضوء على تفاصيل واحدة من أهم المعارك في تاريخ المغرب المعاصر.
Table of Contents
Toggle