
وكالة درا للأنباء ـ حسن كجوط
من إرث الأجداد في فاس إلى لقاءات الجاليات اليهودية المغربية في الخارج، يحاول رازييل عوز تحويل التقاليد الروحية والثقافية إلى جسور للتواصل مع الوطن الأم، وترسيخ قيم التسامح والتعايش والحوار بين الثقافات.
في عالم تتسارع فيه وتيرة الحياة، وتعيد التكنولوجيا والخوارزميات تشكيل أنماط التفكير والتواصل، يبرز سؤال الهوية والانتماء باعتباره أحد الأسئلة الأكثر إلحاحا: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على صلته بجذوره، وأن يصون ذاكرته الثقافية والروحية وسط التحولات المتلاحقة؟ بالنسبة إلى رازييل عوز، اليهودي المغربي المنحدر من أصول فاسية، لا تكمن الإجابة في استعادة الماضي بوصفه ذكرى بعيدة، وإنما في تحويله إلى ممارسة حية تستمر في الحاضر وتنتقل إلى الأجيال المقبلة.
فالمغرب بالنسبة إليه ليس مجرد بلد تنتمي إليه عائلته، ولا محطة عابرة في تاريخ أسلافه، بل فضاء للذاكرة والوجدان، تتداخل فيه الحكايات العائلية مع التقاليد الدينية والثقافية، وتلتقي فيه الذاكرة اليهودية المغربية بتاريخ مدينة فاس، بما تختزنه من إرث علمي وروحي، ومن تقاليد عريقة في التعايش والتفاعل بين المسلمين واليهود.
ومن خلال تمسكه باللهجة المغربية والطقوس والعادات التي ورثها عن أجداده، يسعى عوز إلى إبقاء هذا الانتماء حاضرا في حياة الأجيال الجديدة من اليهود المنحدرين من أصول مغربية، ممن نشأ كثير منهم بعيدًا عن أرض الآباء والأجداد. وتكفي جلسة واحدة معه لاكتشاف المكانة التي تحتلها الحكايات والأمثال الفاسية في ذاكرته وحديثه؛ فهي ليست مجرد تفاصيل من الماضي، بل مفاتيح لفهم هوية تشكلت عبر قرون من التفاعل الثقافي والروحي.

وصية الجد.. من الذاكرة العائلية إلى المسؤولية الروحية
يحمل رازييل عوز لقب “كابالاني”، في إشارة إلى اهتمامه بتعاليم الكابالا، وهي تقاليد روحانية وتأويلية في الفكر اليهودي، لها امتدادات وتجليات متعددة داخل المجتمعات اليهودية، ومنها المجتمع اليهودي المغربي.
غير أن عوز لا يقدم نفسه بوصفه صانعا للمعجزات أو مدعيا لامتلاك أسرار خارقة، بل باعتباره حاملًا لإرث عائلي وروحي ارتبط بوصية جده الحاخام يوسف دحان. فقد ترك له هذا الأخير، وفق روايته، إرثا لا تقاس قيمته بالممتلكات المادية، وإنما بما يحمله من صلوات وتعاليم وتقاليد شفهية وممارسات روحية تناقلتها الأجيال داخل العائلة.
إنها وصية تتجاوز حدود العلاقة بين الجد وحفيده، لتتحول إلى إحساس بالمسؤولية تجاه ذاكرة عائلية وثقافية أوسع. ومن هذا المنطلق، ينظر عوز إلى الحفاظ على الموروث باعتباره فعلًا يوميًا يتطلب التعلم والممارسة ونقل المعرفة، لا مجرد الاحتفاء الرمزي بأسماء الأجداد أو استحضار حكاياتهم في المناسبات.
الكابالا.. مسار روحي يتجاوز حدود المهنة
بدأ اهتمام رازييل عوز بهذا المسار الروحي في سن السادسة عشرة، حين انكب على دراسة تعاليم الكابالا والعادات المغربية والنصوص التلمودية. ومع مرور الوقت، أصبح هذا الاهتمام جزءًا أساسيًا من حياته، ومجالًا يلتقي فيه البحث في الموروث الديني مع التأمل في قضايا الإنسان والهوية والمعنى.
ويختصر عوز علاقته بهذا المسار بقوله: «لم أنظر قط إلى هذا الأمر كمهنة، بل كان دوما مسؤولية أحملها على عاتقي».
وتعكس هذه العبارة طبيعة نظرته إلى ما يقوم به؛ فهو لا يتعامل مع المعرفة الروحية باعتبارها نشاطًا مهنيا منفصلا عن حياته، بل باعتبارها التزاما أخلاقيا وثقافيا يستدعي الاستمرار في التعلم والتواصل مع الآخرين. ولهذا يحرص على تنظيم لقاءات حوارية وورشات توعوية، يسعى من خلالها إلى تقريب الأجيال الجديدة من بعض جوانب التراث اليهودي المغربي، وإبراز ما تختزنه تقاليده من قيم التأمل والتسامح والتواصل الإنساني.
ولا تتوقف هذه اللقاءات عند حدود التعريف بالموروث أو تقديم معارف تاريخية ودينية، بل تتخذ أحيانًا شكل جلسات حوار فردية تتيح للمشاركين التعبير عن انشغالاتهم الشخصية والعائلية والوجودية، في أجواء تقوم على الإصغاء والتأمل وتبادل الأفكار.
فبعض من يقصدونه يبحث عن مساحة للحوار بشأن خلافات عائلية أو أزمات شخصية، وآخرون يحاولون تجاوز تجارب الفقدان أو استعادة الثقة بالنفس أو فهم الخيارات التي تواجههم في محطات حاسمة من حياتهم. وفي هذه اللقاءات، يستحضر عوز بعض القيم والتعاليم الروحية التي يؤمن بها، من دون تقديم وعود بحلول خارقة أو ادعاء امتلاك معرفة بالغيب، بل من خلال تشجيع الحوار والتأمل ومساعدة الأفراد على النظر إلى تجاربهم من زوايا مختلفة.
الشاي المغربي.. طقس يومي يحمل ذاكرة وطن
من بين أبرز المبادرات التي يحرص رازييل عوز على تقديمها، تحضير الشاي المغربي بالأعشاب وفق طقوس موروثة من الذاكرة العائلية والثقافة المغربية. وقد يبدو الأمر، للوهلة الأولى، مجرد ممارسة مرتبطة بالضيافة أو عادة يومية مألوفة، لكنه بالنسبة إليه يحمل دلالات تتجاوز إعداد مشروب تقليدي؛ إذ يمثل مدخلًا لاستعادة تفاصيل الحياة المغربية، بما تختزنه من قيم الكرم والتقاسم والأنس والتواصل.
فالشاي في الثقافة المغربية ليس مجرد مشروب، بل طقس اجتماعي تتقاطع فيه الضيافة مع الحكاية، والذاكرة مع اللقاء، وتتحول فيه لحظة الجلوس حول المائدة إلى مساحة للتقارب وتبادل التجارب. ومن خلال هذا الطقس، يستعيد عوز جانبًا من ذاكرة أجداده، ويحاول نقلها إلى أبناء الجاليات اليهودية المغربية في الخارج، ممن قد
















