وكالة درا للأنباء ـ الرباط
تنتظر الهيئات المدنية العاملة في مجال حماية المال العام من الأحزاب السياسية تفاعلًا جديًا ومسؤولًا مع الملاحظات الواردة في التقرير الأخير للمجلس الأعلى للحسابات، المتعلق بتدقيق مالية الأحزاب السياسية برسم الدعم العمومي لسنة 2022، لا سيما ما يتعلق بإرجاع المبالغ غير المستحقة إلى خزينة الدولة.
وكشف تقرير المجلس الأعلى للحسابات عن مجموعة من الاختلالات التي شابت تدبير الدعم العمومي الممنوح للأحزاب، من بينها إسناد إنجاز دراسات لمكاتب خاصة دون احترام المساطر القانونية الجاري بها العمل، فضلًا عن وجود حالات تعارض مصالح، حيث تبين أن بعض مكاتب الدراسات المستفيدة مملوكة لقياديين داخل الأحزاب المعنية.
في هذا السياق، اعتبر عبد الإله طوطاح، الكاتب الوطني للهيئة الوطنية لحماية المال العام والشفافية بالمغرب، أن الاختلالات الواردة في التقرير تكتسي طابعًا خطيرًا، كونها تتعلق بتدبير المال العام، داعيًا إلى إحالة هذه الملفات على القضاء من أجل تعميق البحث وترتيب المسؤوليات القانونية اللازمة.
وأوضح طوطاح أن تقارير المجلس الأعلى للحسابات تصدر عن قضاة متخصصين، مما يمنحها قوة قانونية ومؤسساتية، ويجعل التفاعل معها، خاصة في ما يتعلق بالاختلالات المالية، ضرورة تفرضها مبادئ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
وأبرز التقرير ذاته أن نحو نصف عدد الأحزاب السياسية لا يقوم بإعداد الميزانيات التوقعية لموارده ونفقاته السنوية، في حين أن حوالي 70 في المئة من الأحزاب لا تتوفر على مساطر واضحة لاستخلاص الموارد غير العمومية أو صرف النفقات، وهو ما يعكس، بحسب متتبعين، ضعفًا في الحكامة المالية داخل عدد من التنظيمات الحزبية.
وأثارت ملاحظات المجلس الأعلى للحسابات نقاشًا وانتقادات حتى داخل بعض الأحزاب المعنية، حيث أصدرت شبيبة حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بفرنسا بيانًا أدانت فيه ما وصفته بـ”سوء التدبير وتبذير المال العام”، داعية إلى ربط المسؤولية بالمحاسبة داخل التنظيم الحزبي.
في المقابل، دافع حزب الأصالة والمعاصرة عن لجوئه إلى إسناد الدراسات لمركز تابع له، موضحًا أن الأمر يتعلق بمركز داخلي للحزب، وهو ما اعتبره إجراءً طبيعيًا في إطار تنظيم أنشطته الفكرية والدراسية.
من جهته، أكد أحمد البرنوصي، نائب الكاتب العام لـ”ترانسبارانسي المغرب”، دعم الهيئة لمطالب المجلس الأعلى للحسابات القاضية بإرجاع الأموال غير المستحقة إلى الدولة، مشددًا على أن المجلس مؤسسة دستورية وقراراته ملزمة، ويتعين على الأحزاب السياسية الامتثال لها.
غير أن عبد الإله طوطاح ربط تفعيل توصيات وقرارات المجلس الأعلى للحسابات بوجود إرادة سياسية حقيقية، مشيرًا إلى أن العديد من التقارير السابقة تضمنت اختلالات جسيمة في تدبير المال العام، دون أن تجد طريقها إلى المتابعة القضائية، حيث ظل عدد الملفات المحالة على القضاء محدودًا.
ويعيد هذا الجدل إلى الواجهة النقاش حول شفافية تدبير الدعم العمومي للأحزاب السياسية، ومدى التزام هذه الأخيرة بقواعد الحكامة الجيدة، في سياق تتزايد فيه مطالب المجتمع المدني بتعزيز الرقابة وربط الدعم العمومي بالمحاسبة الصارمة وحسن التدبير.