عيد العرش.. تحذير قوي من تفاقم أزمة الماء ودعوة إلى ثورة في التدبير
حمل خطاب الذكرى الخامسة والعشرين لعيد العرش، الذي ألقاه محمد السادس، رسائل واضحة بشأن خطورة الوضع المائي في المغرب، في ظل توالي سنوات الجفاف وارتفاع الطلب على الموارد المائية، ما جعل هذا الملف يتصدر أولويات المرحلة باعتباره تحديا استراتيجيا يمس الاستقرار والتنمية.
الخطاب الملكي توقف عند التحولات المناخية التي فاقمت الضغط على المخزون المائي، سواء على مستوى السدود أو الفرشات الباطنية، مشيرا إلى أن تتابع سنوات الجفاف أثر بشكل عميق على الاحتياطات المتوفرة، وجعل الوضع أكثر هشاشة وتعقيدا، خاصة في عدد من المناطق القروية التي تعاني خصاصا متزايدا.
وفي هذا السياق، دعا العاهل المغربي إلى التحرك العاجل عبر إجراءات مبتكرة واستباقية لتفادي أي عجز في تزويد المواطنين بالماء الصالح للشرب، مؤكدا أن الهدف الاستراتيجي يتمثل في ضمان هذه الخدمة الحيوية لجميع المواطنين، مع تأمين نسبة مهمة من حاجيات القطاع الفلاحي، باعتباره أحد أكبر المستهلكين للمياه.
ومن بين التوجيهات البارزة التي تضمنها الخطاب، تسريع إنجاز مشاريع الربط بين الأحواض المائية، بما يسمح بإعادة توزيع الموارد بشكل متوازن بين الجهات، والاستفادة من كميات كبيرة من المياه التي كانت تضيع في البحر. كما شدد على ضرورة استكمال برنامج بناء السدود، مع إعطاء الأولوية للمناطق التي تعرف تساقطات مهمة، إلى جانب تطوير مشاريع تحلية مياه البحر ومعالجة المياه العادمة.
ولم يغفل الخطاب البعد المؤسساتي والعلمي، إذ تمت الدعوة إلى تعزيز التكوين في مجالات الهندسة المائية، وإحداث تخصصات قادرة على مواكبة التحولات التقنية المرتبطة بالتحلية والتدبير المستدام للموارد، بما يضمن تكوين كفاءات وطنية مؤهلة لقيادة هذا الورش الحيوي.
ويرى متتبعون أن التركيز المكثف على ملف الماء يعكس إدراكا رسميا بأن المملكة تواجه واحدة من أخطر الأزمات المرتبطة بالأمن المائي، خاصة مع تزايد الطلب من القطاعات الفلاحية والصناعية والمنزلية، ما يفرض اعتماد مقاربة جديدة تقوم على الحكامة الجيدة، وتسريع وتيرة الإنجاز، وتجاوز العراقيل الإدارية والتمويلية.
كما حمل الخطاب رسالة واضحة مفادها أن حماية الثروة المائية ليست مسؤولية الدولة وحدها، بل هي مسؤولية جماعية تشمل مختلف الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين، بل والمواطنين أنفسهم، من خلال ترشيد الاستهلاك واعتماد سلوكيات أكثر وعيا بأهمية هذه المادة الحيوية.
في المحصلة، بدا خطاب عيد العرش مناسبة لتشخيص دقيق لوضع مائي مقلق، وإعلان مرحلة جديدة عنوانها التعبئة الشاملة، وتسريع الإصلاحات، والانتقال من منطق التدبير الظرفي إلى رؤية استراتيجية بعيدة المدى، قوامها ضمان الأمن المائي كشرط أساسي لاستقرار البلاد واستمرار مسارها التنموي.
Table of Contents
Toggle