تنتج المواد الإعلامية للمنابر الوطنية و الدولية
Table of Contents
Toggleغير أن هذه العلاقة التاريخية المتوازنة بين الإنسان والماء باتت اليوم مهددة. فالجنوب الشرقي، وتحديدا جهة درعة تافيلالت، يعيش واحدة من أعقد الأزمات المائية في تاريخه الحديث، أزمة لم تعد حبيسة الأرقام أو التقارير التقنية، بل أصبحت واقعا يوميا يثقل كاهل الفلاح الصغير، ويقوض الاستقرار الاجتماعي، وينذر بتحولات ديمغرافية واقتصادية مقلقة.
الأرقام الرسمية وحدها كفيلة بتشخيص حجم الخطر. فمستوى ملء السدود بلغ نسبا مقلقة، إذ لم يتجاوز سد الحسن الداخل بإقليم الرشيدية، إلى حدود منتصف أبريل 2024، ربع طاقته الاستيعابية تقريبا. أما الأودية، التي شكلت لعقود شرايين الحياة بالمنطقة، وعلى رأسها واد دادس، فقد تراجع منسوبها بشكل غير مسبوق، ما انعكس مباشرة على النشاط الفلاحي والرعوي.
لكن الجفاف الطبيعي، على قسوته، لا يفسر وحده عمق الأزمة. فإلى جانبه، تبرز اختلالات بنيوية في تدبير الموارد المائية، لعل أبرزها الاستنزاف المفرط للفرشات الجوفية من طرف بعض الضيعات الفلاحية الكبرى، التي غلبت منطق الربح السريع على مقتضيات الاستدامة البيئية. كما ساهم التوسع في زراعات غير ملائمة للخصوصيات المناخية للمنطقة، مثل البطيخ الأحمر، في تعميق النزيف المائي، وتحويل المجال الواحي إلى فضاء هش مهدد بالعطش.
وفي خضم هذا الوضع، يجد الفلاح الصغير نفسه في مواجهة مفتوحة مع المجهول. فلا دعم كافٍ يقيه تقلبات المناخ، ولا بدائل إنتاجية تحمي مورد رزقه، ولا سياسات واضحة تضمن عدالة مائية بين مختلف الفاعلين. والنتيجة تراجع المردودية، ضعف الدخل، واهتزاز الاستقرار النفسي والاجتماعي، في مشهد يعيد إلى الأذهان موجات الهجرة القروية التي عرفها الجنوب الشرقي خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.
إن أخطر ما في الأزمة المائية بالجنوب الشرقي ليس فقط ندرة الماء، بل صمت السياسات وتأخر القرارات، وغياب رؤية شمولية تربط بين التدبير المائي، والعدالة المجالية، والتنمية المستدامة. فالماء، كما روت لنا تجاريب الأجيال الماضية وكما تؤكد صفحات من كتب التاريخ، كان دوما محددا للاستقرار أو للانهيار، للبقاء أو للرحيل.
إن المسؤولية عن أزمة الماء في الجنوب الشرقي مسؤولية مشتركة، تتقاطع فيها العوامل الطبيعية مع الخيارات الاقتصادية، والاختلالات المؤسساتية، وضعف الوعي الجماعي. وهي أزمة تستدعي اليوم، أكثر من أي وقت مضى، تدخلا عاجلا، وقرارات شجاعة، تعيد الاعتبار للماء كحق جماعي، لا كسلعة، وتحمي الإنسان والمجال من عطش قد يتحول إلى قطيعة نهائية مع الأرض.
إذا رغبت:
✍️ نسخة أقصر للنشر في عمود رأي
🎓 صيغة أكاديمية تحليلية
📰 معالجة صحفية تقريرية ميدانية
قُل لي الاتجاه الذي تريده، وأعدّل النص فورًا.