وكالة درا للأنباء
أعاد إعلان نادية فتاح العلوي، وزيرة الاقتصاد والمالية، عن نية الحكومة التوجّه مجددا إلى السوق الدولية لإصدار سندات دين، تحريك النقاش داخل الأوساط المالية والاقتصادية، سواء لدى بنوك الأعمال أو وكالات التصنيف الائتماني وخبراء الاقتصاد. ويأتي هذا التوجه بعد أزيد من سنة على آخر عملية مماثلة، في خطوة تراهن من خلالها الحكومة على تخفيف الضغط عن الدين الداخلي، وتحسين صورة المغرب الائتمانية، وضمان موارد مالية كافية لتمويل الأوراش الكبرى.
ويطرح هذا الخيار المالي أسئلة متعددة حول جدواه في سياق عالمي يتسم باستمرار التضخم، واضطراب سلاسل التوريد، وتصاعد التوترات الجيوسياسية في عدد من المناطق. ورغم هذه التحديات، تستند الحكومة إلى نجاح عملية الإصدار التي جرت في مارس 2023، حين لجأت إلى السوق الدولية لجمع 2.5 مليار دولار عبر سندات متوسطة وطويلة الأجل.
وخلال الفترة الممتدة بين آخر إصدار واليوم، عرفت وضعية الدين العمومي تحسنا طفيفا مقارنة بسنة 2022، إذ استقر في حدود 71.1 في المائة من الناتج الداخلي الخام، مقابل 71.6 في المائة سابقا. في المقابل، ارتفع الدين الداخلي بنحو 12.1 مليار درهم، بينما تطور الدين الخارجي بـ23.7 مليار درهم ليستقر عند أزيد من 253 مليار درهم، مع بقاء هذه المؤشرات داخل الهوامش التي حددتها السلطات المالية.
ضغط متزايد على السيولة
يواجه المغرب في المرحلة الراهنة ضغطا ملحوظا على مستوى السيولة، في ظل التزامه بتمويل برامج اجتماعية كبرى، من بينها الدعم الاجتماعي المباشر، ودعم السكن، وتعميم التغطية الصحية، إلى جانب الاستثمارات المرتبطة بالتحضير لتنظيم كأس العالم 2030. وفي هذا السياق، يُنظر إلى اللجوء إلى السوق الدولية كوسيلة لتوفير سيولة فورية، وتخفيف العبء عن الاقتراض الداخلي، والحفاظ على توازن مالية الدولة.
ويرى رشيد قصور، خبير في المالية العمومية، أن عدم استقرار السوق الدولية وارتفاع أسعار الفائدة لا يمنعان من إصدار السندات، بحكم أن المغرب يُعد من المقترضين الذين يحظون بدرجة عالية من الثقة والضمانات لدى المستثمرين. وأوضح أن حاجيات الدولة من التمويل تناهز 40 مليار درهم سنويا، مشيرا إلى أن تقليص دعم بعض المواد، مثل الزيادة الأخيرة في سعر قنينة الغاز، من شأنه توفير موارد إضافية، لكنها تظل غير كافية لوحدها لتغطية مختلف الالتزامات.
وأضاف قصور أن إصدار السندات الخارجية يتيح استقطاب تدفقات مالية مهمة من المستثمرين الأجانب، ما يوفر هامشا أكبر لتمويل المشاريع الهيكلية دون استنزاف الموارد المحلية. كما اعتبر أن هذا الخيار قد يساهم في تهدئة سوق الاقتراض الداخلي، ويدعم استقرار أسعار الفائدة، الأمر الذي ينعكس إيجابا على الاستثمار والنشاط الاقتصادي.
كما أشار الخبير ذاته إلى أن نجاح العملية المرتقبة قد يعزز التصنيف الائتماني للمغرب، ويفتح الباب أمام شروط تمويل أفضل مستقبلا، فضلا عن دوره في تخفيف الضغط على العملة الوطنية ودعم استقرار سعر الصرف.
مخاطر لا يمكن تجاهلها
ورغم المكانة المتقدمة التي يحتلها المغرب من حيث التصنيف الائتماني على المستوى الإفريقي، فإن التوجه نحو إصدار سندات جديدة في السوق الدولية لا يخلو من مخاطر. ففي نظر محمد أمين الحسني، خبير اقتصادي، يؤدي استمرار التضخم وارتفاع أسعار الفائدة عالميا إلى زيادة كلفة الاقتراض، إذ يطالب المستثمرون بهوامش أعلى لتعويض المخاطر المتزايدة.
وأوضح الحسني أن من بين الإكراهات المحتملة مخاطر تقلبات سعر الصرف، خاصة إذا تم الإصدار بعملات أجنبية، ما قد يرفع الكلفة الفعلية للدين عند تحويله إلى العملة المحلية. كما نبه إلى خطر التآكل التضخمي، الذي قد يؤثر على القيمة الحقيقية للعائدات، ويزيد من أعباء التمويل مستقبلا.
وأضاف أن التوترات الجيوسياسية العالمية تساهم في رفع منسوب عدم اليقين داخل الأسواق المالية، وهو ما قد يضعف ثقة المستثمرين ويدفعهم للمطالبة بعوائد أعلى. كما أن أي تراجع محتمل في التصنيف الائتماني من طرف وكالات التنقيط قد يضاعف كلفة الاقتراض في المدى المتوسط.
وبين رهانات السيولة ومخاطر الظرفية الدولية، يبقى لجوء المغرب إلى السوق المالية العالمية خيارا استراتيجيا تحكمه معادلة دقيقة بين الحاجة إلى التمويل والحفاظ على الاستدامة المالية.