وكالة درا للأنباء ـ الرباط
تتجه أنظار الأسواق المالية العالمية إلى النصف الثاني من السنة الجارية، في ظل تزايد المؤشرات الدالة على قرب انتقال البنوك المركزية الكبرى من مرحلة التشديد النقدي إلى مسار أكثر تيسيراً. فبعد أشهر من الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، بدأت ملامح تحول تدريجي تلوح في الأفق، مدفوعة بتراجع معدلات التضخم وتباطؤ النمو في عدد من الاقتصادات المتقدمة.
وخلال الفترة الأخيرة، حافظت السلطات النقدية في الاقتصادات الكبرى على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة، في محاولة لضمان عودة التضخم إلى مستهدفاته بشكل مستدام. غير أن البيانات الحديثة أظهرت تراجعا واضحا في الضغوط التضخمية، خصوصا في أسعار الاستهلاك، ما عزز توقعات الشروع في خفض الفائدة ابتداءً من شهر يونيو المقبل.
في المملكة المتحدة، سجل التضخم السنوي تراجعاً لافتا مقارنة بذروته المسجلة في أعقاب جائحة كورونا، بالتزامن مع دخول الاقتصاد مرحلة ركود تقني. هذا الوضع زاد من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، ورفع منسوب التوقعات بشأن لجوء السياسة النقدية إلى التخفيف التدريجي لدعم النشاط الاقتصادي، وإن ظل الحذر سيد الموقف في انتظار دلائل أقوى على انحسار التضخم، خصوصا في قطاع الخدمات.
أما في منطقة اليورو، فرغم تحسن الآفاق التضخمية على المدى المتوسط، فضلت السلطات النقدية التريث، مؤكدة حاجتها إلى مزيد من المعطيات التي تثبت استدامة هذا التحسن. ومع ذلك، تشير قراءات الأسواق إلى أن شهر يونيو يشكل محطة مفصلية قد تشهد أول خفض للفائدة، في حال واصلت المؤشرات الاقتصادية مسارها الحالي.
وفي الولايات المتحدة، تتقاطع توقعات المستثمرين حول احتمال بدء خفض أسعار الفائدة في التوقيت نفسه، خاصة مع تراجع التضخم الأساسي واستقرار نسبي في أسواق العمل والطاقة. غير أن بقاء أسعار الفائدة العالمية مرتفعة لفترة أطول من المتوقع يظل سيناريو مطروحاً، في حال عادت الضغوط التضخمية أو تفاقمت المخاطر الجيوسياسية.
وبحسب التقديرات السائدة، من المنتظر أن يشهد العام الجاري خفضاً تراكمياً في أسعار الفائدة قد يصل إلى نحو 100 نقطة أساس في منطقة اليورو، مقابل حوالي 75 نقطة أساس في كل من المملكة المتحدة والولايات المتحدة، إذا ما استمرت الاتجاهات الحالية دون انتكاسات مفاجئة.
في المجمل، يبدو أن الاقتصاد العالمي يقف عند مفترق طرق نقدي، حيث تحاول البنوك المركزية الموازنة بين دعم النمو الاقتصادي وعدم التسرع في إعلان الانتصار الكامل على التضخم، في مرحلة تتسم بحساسية عالية لأي خطأ في التقدير.