امحمد بن عبد السلام – وكالة درا للانباء.

في كل مرة تعرف فيها الأسواق موجة ارتفاع جديدة، يُطلب من المواطن المغربي أن يصدق حكاية مختلفة لتفسير الغلاء. تارة يُقال إن السبب هو قلة العرض، وتارة يُحمَّل الجفاف المسؤولية، ثم تصبح الأمطار شماعة أخرى، أو تُستحضر كلفة الإنتاج وتقلبات أسعار المحروقات عالميًا. تتغير الذرائع بتغير الظرف، لكن النتيجة واحدة: أسعار تواصل الصعود بلا هوادة، مقابل دخول جامدة لا تتحرك، وعلى رأسها الحد الأدنى للأجور، الذي لم يعد يعكس بأي شكل واقع المعيشة اليوم.
الحد الأدنى للأجر في المغرب لم يعد حدًا أدنى بالمعنى الاقتصادي أو الاجتماعي، بل تحوّل إلى سقف لا يستطيع كثير من الأجراء تجاوزه. ومع ذلك، ظل هذا الأجر شبه ثابت لسنوات، في وقت تضاعفت فيه أسعار الغذاء، وقفزت تكاليف السكن والتنقل والعلاج والدراسة. وهكذا أصبحت الحياة اليومية سلسلة من الحسابات الدقيقة، غالبًا ما تنتهي بعجز مالي قبل بلوغ آخر الشهر.
المثير للانتباه أن مبدأ “التحيين” و“مواكبة المتغيرات” يُستعمل بسلاسة عندما يتعلق الأمر بالمشاريع الكبرى أو الصفقات العمومية. فتكلفة الطرق والبنيات التحتية والخدمات العمومية تُراجع كلما ارتفعت أسعار المواد الأولية أو الطاقة أو اليد العاملة. لكن حين يُفتح ملف أجور العمال، تتحول اللغة فجأة: الميزانية لا تسمح، والظرفية صعبة، والتوازنات مهددة، وكأن القدرة الشرائية للمواطن ليست جزءًا من هذه المعادلة.
لا أحد ينكر تأثير العوامل المناخية والاقتصادية على الأسعار، غير أن السؤال الحقيقي يظل مطروحًا: هل ما نعيشه اليوم مجرد نتيجة حتمية لهذه العوامل، أم أن الغلاء تفاقم بسبب غياب سياسات حازمة لحماية المستهلك؟ كيف يمكن تبرير غلاء الخضر بالأمطار حينًا، وبالجفاف حينًا آخر، وبالمحروقات حينًا ثالثًا، دون مساءلة حقيقية للمضاربة، وتعدد الوسطاء، وضعف المراقبة، وترك السوق رهينة لمنطق الربح السريع؟
الأكثر إثارة للقلق هو غياب نقاش عمومي جاد حول تسقيف أسعار المواد الأساسية. فالخبز والحليب والزيت والخضر والنقل ليست كماليات يمكن الاستغناء عنها، بل ضرورات يومية تمس صميم عيش المواطن. إخضاع هذه المواد لمنطق السوق وحده، في مجتمع يعاني هشاشة الدخل، ليس خيارًا محايدًا. تسقيف الأسعار في مثل هذه الحالات ليس خروجًا عن اقتصاد السوق، بل إجراء اجتماعي تلجأ إليه دول عديدة عندما يتحول الغلاء إلى تهديد للاستقرار.
الوضع الحالي يكشف خللًا واضحًا: أسعار تتغير بوتيرة الاقتصاد العالمي، وأجور تُدار بعقلية زمن مضى. لا يمكن الحديث عن عدالة اجتماعية أو توازن مجتمعي في ظل هذا التناقض. إما مراجعة حقيقية للحد الأدنى للأجور بما يوازي كلفة العيش الفعلية، أو اعتماد سياسة صارمة لضبط أسعار المواد الأساسية، أو الجمع بين الخيارين معًا. أما الاستمرار في تحميل المواطن وحده تبعات الأزمات، دون حماية أو تعويض، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الفوارق وتآكل الثقة في السياسات العمومية.
في النهاية، لا يطلب المواطن المغربي امتيازات استثنائية، بل فقط قدرًا من الإنصاف: إذا كانت كل المؤشرات قابلة للتغيير، فمن غير المنطقي أن يبقى أجر العامل هو الثابت الوحيد في معادلة متحركة.