أنين الجنوب في مرايا السرد: قراءة في مجموعة تيغيلت للأستاذ لحسن شعيب
بعد عمله الأول في أدب الرحلة، «ما وراء بحر الروم»، وهو الجزء الأول من سلسلة «في مناكبها»، الذي نفدت طبعته الأولى وأعيد طبعه في إسطنبول، يعود الأستاذ لحسن شعيب، الكاتب المنحدر من الجنوب الشرقي المغربي والإطار التربوي، بإصدار جديد في جنس القصة القصيرة، موسوماً بـ «تيغيلت – أنين الجنوب».
يحمل العنوان دلالة كثيفة؛ فكلمة «تيغيلت» لفظة أمازيغية تعني، بحسب الكاتب، رياضة المصارعة. غير أن العنوان الفرعي «أنين الجنوب» لا يأتي مجرد توضيح، بل يشكل مفتاحا تأويليا للنصوص، إذ ينقل المصارعة من حلبة الرياضة إلى حلبة الوجود. يقول الكاتب في مقدمة المجموعة (ص 11):
«والمصارعة رياضة نقوم بها بملء إرادتنا، لكن مصارعة الحياةِ في الجنوبِ مفروضةٌ: في الجنوب يصارع الإنسان للبقاءِ، يصارع قسوة الطبيعة، وقسوةَ أخيه، يصارع لينال حقه من ثروةٍ سرقَها المركز، يصارع الدسائسَ والمؤامراتِ… في الجنوب تتصارع القبائل فيما بينها، وداخل القبيلة الواحدة تتصارع البطون، وفي البطنِ الواحد نفسِهِ تتصارع الأمعاء كما يقول المثل».
بهذا التحديد الدلالي، يؤسس شعيب لرؤية سردية تجعل من «الصراع» بنية مركزية تتحكم في العوالم القصصية كلها. فالمجموعة لا تتناول الجنوب بوصفه جغرافيا فقط، بل بوصفه قدراً اجتماعياً وتاريخياً. الجنوب هنا فضاء للهامش، حيث تتقاطع قسوة الطبيعة مع اختلالات السياسة العمومية، ويتحول الإنسان إلى كائن يصارع من أجل الحد الأدنى من الكرامة والعيش.
تضم المجموعة عشرين نصاً قصصياً متفاوتة الطول، تتنوع بين السخرية المرة واللغة العاطفية الشفيفة، وتراوح بين الواقعي والرمزي. في قصص مثل «البركة» و«بائع الأكباش» و«لا تدفنوا والدي» و«دموع الطيار» و«حب أسفل السلم» و«شقراء أوسلو»، يشتغل الكاتب على تفاصيل الحياة اليومية، لكنه يحوّل الجزئي إلى علامة على الكلي؛ فالحكاية البسيطة تصبح مدخلاً لقراءة بنية اجتماعية مأزومة، أو علاقة مختلة بين المركز والهامش، أو صراع داخلي يمزق الفرد بين الانتماء والحلم.
تتميّز لغة «تيغيلت» بثرائها المعجمي، إذ تمتح من ثقافة البوادي ومخزونها الاصطلاحي والرمزي، فتبدو النصوص وكأنها درس في الأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا مكتوب بلغة الأدب. غير أن هذا البعد التوثيقي لا يطغى على البعد الجمالي؛ فالكاتب يحافظ على إيقاع سردي متماسك، ويعتمد صوراً بلاغية مكثفة، وحواراً نابضاً بالحياة، ما يمنح القصص حيوية وصدقية.
من الناحية الفنية، يراهن شعيب على القصة القصيرة باعتبارها جنساً قادراً على التقاط اللحظة المكثفة، وعلى تعرية المفارقات الاجتماعية دون إطناب. وتبرز في عدد من النصوص تقنية المفارقة والسخرية السوداء، حيث ينقلب المألوف إلى صادم، ويتحول اليومي إلى مأساوي. كما يحضر البعد الرمزي بقوة في القصة التي تحمل عنوان المجموعة «تيغيلت»، إذ تصبح المصارعة استعارة كبرى للحياة في فضاء الجنوب.
اختيار لوحة الفنان التنغيري محمد الزياني غلافاً للمجموعة لم يكن اعتباطياً؛ فاللوحة، التي تمثل شجرة جرداء وحيدة في صحراء قاحلة وتربة متشققة، تعصف بها الرياح لكنها تظل صامدة، تختزل التيمة الغالبة في الكتاب: الصراع والتدافع والصمود. وعند تأملها، تبدو الشجرة كأنها وجه إنسان مبتور اليدين، شعره في مهب العاصفة، في إحالة بصرية إلى هشاشة الكائن الإنساني وصلابته في آنٍ واحد.
صدرت مجموعة «تيغيلت – أنين الجنوب» مطلع يناير 2026 في طبعة أنيقة عن دار سليكي أخوين بطنجة، وتقع في 192 صفحة من الحجم المتوسط. وهي بذلك تمثل انتقالاً نوعياً في تجربة لحسن شعيب من أدب الرحلة إلى أدب المكان/الجرح، ومن تأمل الخارج إلى تفكيك الداخل، مؤكدة أن الجنوب ليس موضوعاً للشفقة، بل فضاءً سردياً غنياً بأسئلته الإنسانية العميقة.
Table of Contents
Toggle