وكالة درا للأنباء ـ الرباط
مع حلول شهر رمضان، عاد الجدل مجددًا داخل العالم الإسلامي بشأن اختلاف الدول في إعلان ثبوت رؤية هلال الشهر الفضيل، حيث سجل تباين واضح في تحديد أول أيام الصيام، رغم التقارب الجغرافي بين عدد من هذه الدول، بل إن بعضها أعلن بداية رمضان في توقيت خالف المعطيات الفلكية المتداولة.
وأعلنت غالبية الدول الإسلامية أن يوم الاثنين 11 مارس هو أول أيام شهر رمضان، في حين اختارت دول أخرى، من بينها المغرب وليبيا والأردن وسلطنة عمان وماليزيا وإندونيسيا، إعلان الثلاثاء أول أيام الصيام، استنادًا إلى عدم ثبوت الرؤية الشرعية للهلال مساء التاسع والعشرين من شهر شعبان.
ولم يقتصر هذا الاختلاف على الدول الإسلامية فحسب، بل امتد إلى الجاليات المسلمة في أوروبا، حيث شهدت الاتحادات الإسلامية تباينًا في المواقف. واضطرت “المفوضية الإسلامية بإسبانيا”، على سبيل المثال، إلى التراجع عن بلاغ سابق، معلنة اعتماد يوم الاثنين أول رمضان، مراعاة لرأي الأغلبية وتجنبًا لانقسام الصف.
في خضم هذا الجدل المتكرر، برزت التجربة المغربية في مراقبة الأهلة كنموذج يحظى بإشادة واسعة على المستويين الإسلامي والدولي، بالنظر إلى صرامتها ودقتها واعتمادها على مقاربة مؤسساتية تجمع بين الرؤية البصرية والمعطيات العلمية.
وفي هذا السياق، أوضح إبراهيم أخيام، الباحث في علم التوقيت، أن ريادة المغرب في مجال رصد الأهلة تعود إلى مجموعة من المقومات، في مقدمتها اعتماد الرؤية البصرية كأساس شرعي لإثبات دخول الشهر الهجري، مع الاستئناس بالحسابات الفلكية دون جعلها بديلاً عنها.
وأشار أخيام إلى أن عملية رصد الهلال بالمغرب تتم في إطار مؤسساتي تشرف عليه وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، التي تعبئ نحو 270 لجنة محلية موزعة على مختلف جهات المملكة، مدعومة بفرق من القوات المسلحة الملكية، وتضم قضاة وعدولًا وأئمة وخطباء ومختصين في علم الفلك والمواقيت.
وأضاف الباحث أن هذه اللجان تشرع في عملية المراقبة بعد غروب الشمس بنحو عشرين دقيقة، وترفع نتائجها إلى اللجنة المركزية التي تقوم بدورها بتجميع المعطيات وتحرير محضر رسمي يحدد ثبوت رؤية الهلال من عدمها، مؤكدًا أن الحسابات الفلكية تظل أداة علمية مساعدة لتحديد إمكانية الرؤية وموقع الهلال وارتفاعه، وليس وسيلة حاسمة للإثبات.
وسجل أخيام أن إعلان المغرب لثبوت دخول شهر رمضان يوم الثلاثاء جاء مطابقًا للحسابات الفلكية، التي أكدت استحالة الرؤية مساء التاسع والعشرين من شعبان، وهو ما يعزز مصداقية المنهج المعتمد.
من جانبه، اعتبر عبد اللطيف الوزكاني، الباحث في العلوم الشرعية، أن المغرب راكم تجربة متميزة في مجال مراقبة الأهلة، بشهادة عدد من الدول الإسلامية والعربية التي أشادت بنموذجه. وأبرز أن الموقع الجغرافي للمملكة يعد من بين الأفضل عالميًا لرصد الهلال، فضلًا عن اعتماد مقاربة تشاركية تشمل مختلف الفاعلين الدينيين والقضائيين والعلميين.
وأوضح الوزكاني أن اختلاف المغرب مع دول أخرى في إعلان بداية الشهر يعود أساسًا إلى تباين المناهج المعتمدة في إثبات الرؤية، مشددًا على أن التجربة المغربية أثبتت عبر السنوات انسجامها مع المعطيات الفلكية ودقتها في ضبط المواقيت، ما جعلها تحافظ على مكانتها الريادية في هذا المجال.
وبينما يتجدد الجدل سنويًا حول توحيد بدايات الشهور الهجرية، تواصل التجربة المغربية فرض نفسها كنموذج يجمع بين الالتزام بالضوابط الشرعية والاستفادة من التقدم العلمي، في إطار مؤسساتي يضمن الدقة والمصداقية ووحدة القرار.